منتديات المحمدية



 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلس .و .جدخول
منتديات المحمدية تبحث عن كل ما هو جديد ومفيد لتعرضة لاعضاء المنتديات الكرام لتعطى فكر جديد لكل المشتركين

شاطر | 
 

 غزوات رسول الله

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوات رسول الله   الإثنين فبراير 01, 2010 1:24 am

نظرة على الغزوات
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

إذا نظرنا إلى غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) وبعوثه وسراياه ، لا يمكن لنا ولا لأحد ممن ينظر في أوضاع الحروب وآثارها وخلفياتها ـ لا يمكن لنا إلا أن نقول ‏:‏ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان أكبر قائد عسكري في الدنيا ، وأشدهم وأعمقهم فراسة وتيقظاً ، إنه صاحب عبقرية فذة في هذا الوصف ، كما كان سيد الرسل وأعظمهم في صفة النبوة والرسالة ، فلم يخض معركة من المعارك إلا في الظرف ومن الجهة اللذين يقتضيهما الحزم والشجاعة والتدبير ، ولذلك لم يفشل في أي معركة من المعارك التي خاضها لغلطة في الحكمة وما إليها من تعبئة الجيش وتعيينه على المراكز الاستراتيجية ، واحتلال أفضل المواضع وأوثقها للمجابهة ، واختيار أفضل خطة لإدارة دفة القتال ، بل أثبت في كل ذلك أن له نوعاً آخر من القيادة غير ما عرفتها الدنيا في القواد ‏.‏ ولم يقع ما وقع في أُحد وحنين إلا من بعض الضعف في أفراد الجيش ـ في حنين ـ أو من جهة معصيتهم أوامره وتركهم التقيد والالتزام بالحكمة والخطة اللتين كان أوجبهما عليهم من حيث الوجهة العسكرية ‏.‏
وقد تجلت عبقريته (صلى الله عليه وسلم) في هاتين الغزوتين عند هزيمة المسلمين ، فقد ثبت مجابهاً للعدو ، واستطاع بحكمته الفذة أن يخيبهم في أهدافهم ـ كما فعل في أحد ـ أو يغير مجري الحرب حتى يبدل الهزيمة انتصاراً ـ كما في حنين ـ مع أن مثل هذا التطور الخطير ، ومثل هذه الهزيمة الساحقة تأخذان بمشاعر القواد ، وتتركان على أعصابهم أسوأ أثر ، لا يبقى لهم بعد ذلك إلا هم النجاة بأنفسهم ‏.‏
هذه من ناحية القيادة العسكرية الخالصة ، أما من نواح أخرى ، فإنه استطاع بهذه الغزوات فرض الأمن وبسط السلام ، وإطفاء نار الفتنة ، وكسر شوكة الأعداء في صراع الإسلام والوثنية ، وإلجائهم إلى المصالحة ، وتخلية السبيل لنشر الدعوة ، كما استطاع أن يتعرف على المخلصين من أصحابه ممن هو يبطن النفاق ، ويضمر نوازع الغدر والخيانة ‏.‏
وقد أنشأ طائفة كبيرة من القواد ، الذين لاقوا بعده الفرس والرومان في ميادين العراق والشام ، ففاقوهم في تخطيط الحروب وإدارة دفة القتال ، حتى استطاعوا إجلاءهم من أرضهم وديارهم وأموالهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين‏.‏
كما استطاع رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) بفضل هذه الغزوات أن يوفر السكنى والأرض والحرف والمشاغل للمسلمين ، حتى تَفَصَّى من كثير من مشاكل اللاجئين الذين لم يكن لهم مال ولا دار ، وهيأ السلاح والكُرَاع والعدة والنفقات ، حصل على كل ذلك من
غير أن يقوم بمثقال ذرة من الظلم والطغيان والبغي والعدوان على عباد اللّه ‏.‏
وقد غير أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها في الجاهلية ، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب والقتل والإغارة والظلم والبغي والعدوان ، وأخذ الثأر ، والفوز بالوَتَر ، وكبت الضعيف ، وتخريب العمران ، وتدمير البنيان ، وهتك حرمات النساء ، والقسوة بالضعاف والولائد والصبيان ، وإهلاك الحرث والنسل ، والعبث والفساد في الأرض ـ في الجاهلية ـ إذ صارت هذه الحرب ـ في الإسلام ـ جهاداً في تحقيق أهداف نبيلة ، وأغراض سامية ، وغايات محمودة ، يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمان ومكان ، فقد صارت الحرب جهاداً في تخليص الإنسان من نظام القهر والعدوان ، إلى نظام العدالة والنَّصَف ، من نظام يأكل فيه القوي الضعيف ، إلى نظام يصير فيه القوي ضعيفاً حتى يؤخذ منه ، وصارت جهاداً في تخليص "‏وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا"‏ ‏ ‏[‏النساء‏:‏75‏]‏ وصارت جهاداً في تطهير أرض اللّه من الغدر والخيانة والإثم والعدوان ، إلى بسط الأمن والسلامة والرأفة والرحمة ومراعاة الحقوق والمروءة ‏.‏
كما شرع للحروب قواعد شريفة ألزم التقيد بها على جنوده وقوادها ، ولم يسمح لهم الخروج عنها بحال ‏.‏ روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال‏ :‏ كان رسول اللّه إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللّه عز وجل ، ومن معه من المسلمين خيراً ، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏اغزوا بسم اللّه ، في سبيل اللّه ، قاتلوا من كفر باللّه ، اغزوا ، فلا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليداً‏ .‏‏.‏‏. ‏‏)‏ الحديث_ رواه الترمذي (1408) وصححه الألباني _ ‏.‏ وكان يأمر بالتيسير ويقول ‏:‏ ‏( ‏يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا‏ )‏ ‏.‏ رواه مسلم (1734)
وكان إذا جاء قوماً بِلَيْل لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح ، ونهى أشد النهي عن التحريق في النار ، ونهى عن قتل الصبر ، وقتل النساء وضربهن ، ونهى عن النهب حتى قال ‏:‏ ‏( ‏إن النُّهْبَى ليست بأحل من الميتة‏ )‏ رواه أبوداود (2705) وصححه الألباني ، ونهى عن إهلاك الحرث والنسل وقطع الأشجار إلا إذا اشتدت إليها الحاجة ، ولا يبقى سواه سبيل‏ .‏ وقال عند فتح مكة‏ :‏ ‏( ‏لا تجهزن على جريح ، ولا تتبعن مدبراً ، ولا تقتلن أسيراً‏ )‏ لم أجده مرفوعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأمضى السنة بأن السفير لا يقتل ، وشدد في النهي عن قتل المعاهدين حتى قال ‏:‏ ‏( ‏من قتل معاهداً لم يُرِحْ رائحة الجنة ، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً‏ )_ رواه البخاري (2995) _‏، إلى غير ذلك من القواعد النبيلة التي طهرت الحروب من أدران الجاهلية حتى جعلتها جهاداً مقدساً ‏.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة بدر الكبرى   الإثنين فبراير 01, 2010 1:31 am


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

سبب الغزوة

قد أسلفنا في ذكر غزوة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذهابها من مكة إلى الشام ، ولما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ، ليقوما باكتشاف خبرها ، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير ، فأسرعا إلى المدينة ، وأخبرا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالخبر .

كانت العير مركبة من ثروات طائلة من أهل مكة ، ألف بعير موقرة بالأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي ، ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلاً .
إنها فرصة ذهبية لعسكر المدينة ، وضربة عسكرية وسياسية واقتصادية قاصمة ضد المشركين لو انهم فقدوا هذه الثروة الطائلة ، لذلك أعلن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المسلمين قائلاً : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها .
ولم يعز على أحد الخروج ، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة ، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أن سيصطدم بجيش مكة _ بدل العير _ هذه الاصطدام العنيف في بدر ، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة ، وهم يحسبون أن مضي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الوجه لن يعدوا ما ألفوه في السرايا الماضية ، ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة .


مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات

واستعد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ( 313،، 314، 317) ، 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين ، و 61 من الأوس و 170 من الخزرج . ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالاً بليغاً ، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة ، فلم يكن معهم إلا فرسان ، فرس للزبير بن العوام ، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي ، وكان معهم سبعون بعيراً ليعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعليّ ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيراً واحداً.
واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم ، فلما كان بالروحاء ردّ أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة .
ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري ، وكان هذا اللواء أبيض .
وقسم جيشه إلى كتيبتين :


1_ كتيبة المهاجرين ، وأعطي علمها علي بن أبي طالب .
2_ كتيبة الأنصار ، وأعطى علمها سعد بن معاذ
.


وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام ، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو _ وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش كما أسلفنا _ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة ، وظلت القيادة العامة في يده(صلى الله عليه وسلم) كقائد أعلى للجيش .

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الجيش الإسلامي يتحرك نحو بدر
سار رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في هذا الجيش غير المتأهب ، فخرج من نقب المدينة ، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة ، حتى بلغ بئر الروحاء ولما ارتحل منها ، ترك طريق مكة بيسار وانحرف ذات اليمين على النازية ( يريد بدراً ) فسلك في ناحية منها ، حتى جذع وادياً يقال له رحقان ، بين النازية وبين مضيق الصفراء ، ثم مر على المضيق ، ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء وهنالك بعث بسيس بن عمر الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له أخبار العير .


النذير في مكة
وأما خبر العير فإن أبا سفيان _ وهو المسؤول عنها _ كان على غاية من الحيطة والحذر ، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالأخطار ، وكان يتحسس الأخبار ، ويسـأل من لقي من الركبان ، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً(صلى الله عليه وسلم) قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ، مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه .
وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة ، فصرخ ببطن الوادي اقفاً على بعيره ، وقد جدع أنفه وحول رحله وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة ، اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث .



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أهل مكة يتجهزون للغزو
فتحفز الناس سراعاً ، وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ كلا ، والله ليعلمن غير ذلك ، فكانوا بين رجلين ، إما خارج ، وإما باعث مكانه رجلاً وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب ، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين ، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب ، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يخرج منهم أحد .


قوام الجيش المكي
وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره ، وكان معه مائة فرس وستمائة درع وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط ، وكان قائده العام أبا جهل بن هشام ، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش ، فكانوا ينحرون يوما تسعاً ويوماً عشراً من الإبل .


مشكلة قبائل بني بكر
ولما أجمع هذا الجيش على المسير ، ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب ، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف ، فيكونوا بين نارين ، فكاد ذلك يثنيهم ، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي _ سيد بني كنانة _ فقال لهم : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه .

جيش مكة يتحرك
وحينئذ خرجوا من ديارهم ، كما قال الله : "بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله "وأقبلوا كما قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) "بحدهم وحديدهم ، يحادون الله ويحادون رسوله "وقال تعالى "وغدوا على حردٍ قادرين "وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ، لا جتراء هؤلاء على قوافلهم .
تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في إتجاه بدر ، وسلكوا في طريقهم وادي عسفان ، ثم قديد ، ثم الجحفة ، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها : إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، وقد نجاها الله فارجعوا .


العير تفلت

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي ولكنه لم يزل حذراً متيقظاً ، وضاعف حركاته الاستكشافية ، ولما اقترب من بدر تقدم عيره ، حتى لقي مجدي بن عمرو ، وسأله عن جيش المدينة ، فقال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن لهما ، ثم انطلقا ، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيرهما ، ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذا والله علائف يثرب ، فرجع إلى عيره سريعاً ، وضرب وجهها محولاً اتجاهها نحو الساحل غرباً ، تاركاً الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار . وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة ، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة .


هم الجيش المكي بالرجوع ووقوع الانشقاق فيه:
ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع ، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلاً : والله لا نرجع حتى نرد بدراً ، فنقيم بها ثلاثاً فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف لنا القيان ، وتسمع بنا بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً .
ولكن على رغم أبي جهل أشار الأخنس بن شريق بالرجوع فعصوه ، فرجع هو وبنو زهرة _وكان حليفاً لهم ورئيساً عليهم في هذا النفير _ فلم يشهد بدراً زهري واحد ، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل واغتبطت بنوزهرة بعد رأي الأخنس بن شريق ، فلم يزل فيهم مطاعاً معظماً .
وأرادت بنو هاشم الرجوع ، فاشتد عليهم أبو جهل ، وقال : لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع .
فسار بالجيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة _ وهو يقصد بدراً _ فواصل سيره حتى نزل قريباً من بدر ، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر .




حراجة موقف الجيش الإسلامي
أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) _ وهو لا يزال في الطريق بوادي ذفران _ خبر العير والنفير ، وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال للاجتناب عن لقاء دام ، وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة ، والجراءة ، والجسارة فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيماً لمكانة قريش العسكرية ، وامتداداً لسلطانها السياسي ، وإضعافاً لكلمة المسلمين وتوهيناً لها ، بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسداً لا روح فيه ، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة .
وبعد هذا كله فهل يكون هناك أحد يضمن للمسلمين أن يمنع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة ، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها ، ويغزو المسلمين في عقر دارهم . كلا ، فلو حدث من جيش المدينة نكول ما لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم .





المجلس الاستشاري

ونظراً إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مجلساً عسكرياً استشارياً أعلى ، أشار فيه إلى الوضع الراهن ، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه ، وقادته ، وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس ، وخافوا اللقاء الدامي ، وهم الذين قال الله فيهم "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون "وأما قادة الجيش ، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : (( يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه )) فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خيراً ودعا له به .
((أصل القصة رواها البخاري، كتاب التفسير))
وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين ، وهم أقلية في الجيش ، فأحب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يعرف رأي الأنصار ، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم ، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم ، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة : (( أشيروا علي أيها الناس )) وإنما يريد الأنصار ، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ ، فقال :
والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟
قال : أجل
قال : (( فقد آمنا بك ، فصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله )). رواه مسلم (1779)


وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) : لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم ، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ، فاظعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وأعطنا ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك ، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، و والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معـــك .
فسر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بقول سعد ، ونشطه ذلك ، ثم قال : سيروا وأبشروا ، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين : والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم .البداية والنهاية (5/69) بإسناد صحيح



الجيش الإسلامي يواصل سيره

ثم ارتحل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من ذفران ، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر ، ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية ، وترك الحنان بيمين _ وهو كثيب عظيم كالجبل _ ثم نزل قريباً من بدر .



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرسول(صلى الله عليه وسلم) يقوم بعملية الاستكشاف
وهناك قام بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وبينما هما يتجولان حولا معسكر مكة ، إذا هما بشيخ من العرب ، فسأله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن قريش وعن محمد وأصحابه _ سأل عن الجيشين زيادة في التكتم _ ولكن الشيخ قال : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : إذا أخبرتنا أخبرناك ، قال : أو ذاك بذلك ؟ قال : نعم .
قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا _ للمكان الذي به جيش المدينة _ وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا _ للمكان الذي به جيش مكة .
ولما فرغ من خبره قال : ممن أنتما ؟ فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) نحن من ماء ، ثم انصرف عنه وبقي الشيخ يتفوه ، من ماء ؟ أمن ماء العراق ؟
سيرة ابن هشام (2/228)



الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي
وفي مساء ذلك اليوم بعث استخباراته من جديد ، ليبحث عن أخبار العدو ، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين ، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه ، ذهبوا إلى ماء بدر ، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة ، فألقوا عليهما القبض وجاءوا بهما إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وهو في الصلاة ، فاستخبرهما القوم ، فقالا : نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء ، فكره القوم ورجوا أن يكونا لأبي سفيان _ لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة _ فضربوهما موجعاً ، حتى اضطر الغلامان أن يقولا : نحن لأبي سفيان ، فتركوهما .

ولما فرغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن الصلاة قال لهم كالعاتب : إذ صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما ، صدقا والله ، إنهما لقريش .
ثم خاطب الغلامين قائلاً : أخبراني عن قريش ، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، فقال لهما : كم القوم ؟ قالا : كثير . قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ، قال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوماً تسعاً ويوماً عشراً ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف ، ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو البخترى بن هشام ، وحكيم بن حزام ، ونوفل بن خويلد ، والحارث بن عامر ، وطعيمة بن عدي ، والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف في رجال سمياهم .
فأقبل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الناس ، فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .
رواه مسلم (1404)




نزول المطر

وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطراً واحداً ، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم ، وكان على المسلمين طلا طهرهم به ، وأذهب عنهم رجس الشيطان ، ووطأ به الأرض ، وصلب به الرمل ، وثبت الأقدام ، ومهد به المنزل ، وربط به على قلوبهم .




الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية

وتحرك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بجيشه ، ليسبق المشركين إلى ماء بدر ، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه ، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر ، وهنا قام الحباب بن المنذر كخبير عسكري وقــال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله ، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، قال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم _ قريش _ فننزله وتغور _ أي نخرب _ ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضاً ، فنملأه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : لقد أشرت بالرأي .
فنهض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالجيش ، حتى أتى أقرب ماء من العدو ، فنزل عليه شطر الليل ، ثم صنعوا الحياض ، وغوَّروا ما عداها من القلب .
((وهذه القصة تتقوى وترتفع إلى درجة الحسن انظرمرويات غزوة بدرص (164))


مقر القيادة
وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يبني المسلمون مقراً لقيادته ، استعداداً للطوارئ ، وتقديراً للهزيمة قبل النصر ، حيث قال : (( يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقي عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم ، يناصحونك ، ويجاهدون معك ))
فأثنى عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خيراً ، ودعا له بخير ، وبنى المسلمون عريشاً على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال ، ويشرف على ساحة المعركة . سيرة ابن هشام (2/233)
كما تم انتخاب فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ ، يحرسون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حول مقر قيادته .



تعبئة الجيش وقضاء الليل
ثم عبأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) جيشه ، ومشى في موضع المعركة ، وجعل يشير بيده : هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله ، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله .رواه مسلم (2873)
ثم بات رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يصلي إلى جذع شجرة هنالك ، وبات المسلمون ليلهم هادئ الأنفاس منير الآفاق ، غمرت الثقة قلوبهم ، وأخذوا من الراحة قسطهم ، يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحاً "إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام "
كانت هذه الليلة ليلة الجمعة ، السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وكان خروجه في 8 أو 12 من نفس الشهر .





الجيش المكي في عرصة القتال ووقوع الانشقاق فيه

أما قريش ، فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدوة القصوى ، ولما أصبحت أقبلت في كتائبها ، ونزلت من الكثيب إلى وادي بدر ، وأقبل نفر منهم إلى حوض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال : دعوهم فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل ، سوى حكيم بن حزام ، فإنه لم يقتل ، وأسلم بعد ذلك ، وحسن إسلامه ، وكان إذا اجتهد في اليمين قال : لا والذي نجاني من يوم بدر ، فلما اطمأنت قريش بعث عمير بن وهب الجمحي ، للتعرف على مدى قوة جيش المدينة ، فدار عمير بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم فقال : ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلاً أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد ؟ فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئاً فرجع إليهم فقال : ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادكم ، فما خير العيش بعد ذلك ، فروا رأيكم .




وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل _ المصمم على المعركة _ تدعوا إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال ، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس ، وأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش ، وسيدها والمطاع فيها ، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي _ المقتول في سرية نخلة _ فقــال : عتبة : قد فعلت ، أنت ضامن علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عقله ديته وما أصيب من ماله .
ثم قال عتبة لحكيم بن حزام ، فأت ابن الحنظلية _ أبا جهل ، والحنظلية أمه _ فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره .



ثم قام عتبة بن ربيعة خطيباً فقال : يا معشر قريش ، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً ، والله لئن أصبتموه لا يزال ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بن محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون .
وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل _ وهو يهيئ درعاً له _ قال يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، فقال أبو جهل : انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه ، كلا ، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه _ وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديماً وهاجر _ فتخوفكم عليه .



ولما بلغ قول أبي جهل : (( انتفخ والله سحره )) قال عتبة : سيعلم من انتفخ سحره ، أنا أم هو؟ وتعجل أبو جهل مخافة أن تقوى هذه المعارضة ، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي _ أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش _ فقال : هذا حليفك ( أي عتبة ) يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فانشد خفرتك ، ومقتل أخيك ، فقام عامر ، فكشف عن استه ، وصرخ : واعمراه واعمراه فحمي القوم ، وحقب أمرهم ، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة . وهكذا تغلب الطيش على الحكمة وذهبت هذه المعارضة دون جدوى .



الجيشان يتراءان

ولما طلع المشركون ، وترآى الجمعان قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم الغــداة ". البداية والنهاية (5/83) بهذااللفظ وأصل القصة رواها البخاري(3953)
وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) _ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر _ إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا .
وعدل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) صفوف المسلمين ، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب ، فقد كان في يده قدح يعدل به ، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف ، فطعن في بطنه بالقدح وقـــال : " استو يا سواد " ، فقال سواد : يا رسول الله أوجعتني فأقدني ، فكشف عن بطنه ، وقـــال : استقد ، فاعتنقه سواد ، وقبل بطنه ، فقال : ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال : يا رسول الله قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بخير .
رواه ابن إسحاق في سيرته ، وعبد الرزاق في مصنفه .


ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بأن لا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة ، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال : " إذا أكثبوكم _ يعني كثروكم _ فارموهم ، واستبقوا نبلكم_ رواه البخاري _ ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم " _ وهذه الزيادة عند أبي داود وضعفها الألباني ، ضعيف سنن أبي داود (2664) _، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة ، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش .


أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال : اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه ، فأحنه الغداة ، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم ، وفي ذلك أنزل الله "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين "




ساعة الصفر وأول وقود المعركة.

وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي _ وكان رجلاً شرساً سيء الخلق _ خرج قائلاً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه . فلما خرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، قلما التقيا ضربه حمزة ، فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد أن تبر يمينه ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض .


المبارزة
وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة ، فقد خرج بعده ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة ، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار ، عوف ومعوذ ابنا الحارث _ وأمهما عفراء _ وعبد الله بن رواحه ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار . قالوا : أكفاء كرام ، مالنا بكم حاجة ، وإنما نريد بني عمنا ، ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي ، فلما قاموا ودنوا منهم ، قالوا : من أنتم ؟ فأخبروهم ، فقالوا : أنتم أكفاء كرام ، فبارز عبيدة _ وكان أسن القوم _ عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد ، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما ، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان ، فأثخن كل واحد منهما صاحبه ، ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة ، وقد قطعت رجله ، فلم يزل صمتاً حتى مات بالصفراء بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر ، حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة .
وكان علي يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم : "هذان خصمان اختصموا في ربهم "
أصل القصة رواها البخاري (4374/4375)



الهجوم العام
وكانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين ، فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة ، فاستشاطوا غضباً ، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد .
وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم ، واستغاثوه ، وأخلصوا له ، وتضرعوا إليه تلقوا هجمات المشركين المتوالية ، وهم مرابطون في مواقعهم ، واقفون موقف الدفاع ، وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة ، وهم يقولون : أحد أحد .





الرسول(صلى الله عليه وسلم) يناشد ربه

وأما رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول : "اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ". حتى إذا حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب بشدة ، واحتدم القتال ، وبلغت المعركة قمتها ، قال : "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً ". وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فرده عليه الصديق ، وقال : حسبك يا رسول الله ، ألححت على ربك .رواه مسلم (1763)
وأوحى الله إلى ملائكته "‏أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ "وأوحى إلى رسوله : "‏أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ "أي ردف لكم ، أو يردف بعضهم بعضاً إرسالاً ، لا يأتون دفعة واحدة .




نزول الملائكة
وأغفى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إغفاءة واحدة ، ثم رفع رأسه فقال : أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع ( أي الغبار ) وفي رواية محمد بن إسحاق : قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : "أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع " رواه البخاري (3995)
ثم خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من باب العريش ، وهو يثب في الدرع ويقول : "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ "ثم أخذ حفنة من الحصباء ، فاستقبل بها قريشاً وقال : شاهت الوجوه ، ورمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة ، وفي ذلك أنزل الله : "‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ".



الهجوم المضاد
وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال : "شدوا "، وحرضهم على القتال ، قائلاً : "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة "وقال وهو يحضهم على القتال : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض "، ( وحينئذ ) قال العمير بن الحمام : بخ بخ ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها ، قال : فإنك من أهلها . فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل .رواه مسلم (1901)
وكذلك سأله عوف بن الحارث _ ابن عفراء _ فقال : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ! قال غمسه يده في العدو حاسراً ، فنزع درعاً كانت عليه ، فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل .
رواه ابن أبي شيبة (19499) من طريق معاذ بن عفراء .



وحين أصدر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت ، وفتر حماسه ، فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين ، فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم _ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه _ قاموا بهجوم كاسح مرير ، فجعلوا يقلبون الصفوف ، ويقطعون الأعناق ، وزادهم نشاطاً وحدة أن رأوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يثب في الدرع في جزم وصراحة "‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ "فقاتل المسلمون أشد القتال ، ونصرتهم الملائكة .


ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال : كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه ، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها ، وقال ابن عباس : بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه ، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .
وقال أبو داود المازني : إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري .رواه مسلم (1763) .


وجاء رجل من الأنصار للعباس بن عبد المطلب أسيراً ، فقال العباس : إن هذا والله ما أسرني ، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ، وما أراه في القوم ، فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله ، فقال : أسكت فقد أيدك الله بملك كريم .
أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (6/76) وقال : رواه أحمد والبزارورجال أحمدرجال الصحيح غيرحارثة بن مضرب وهو ثقة .



إبليس ينسحب عن ميدان القتال
ولما رأى إبليس ـ وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي كما ذكرنا ، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت .
فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه ، وتشبث به الحارث بن هشام ـ وهو يظنه سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فألقاه ، ثم خرج هاربًا .
وقال له المشركون ‏:‏ إلى أين يا سراقة‏ ؟‏ ألم تكن قلت‏ :‏ إنك جار لنا، لا تفارقنا‏ ؟‏
فقال ‏:‏ ‏" ‏إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏ "‏ ‏[‏الأنفال‏:‏48‏] ‏، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر‏ .‏


الهزيمة الساحقة
وبدأت أمارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب المبدد، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون، حتى تمت عليهم الهزيمة‏ .


صمود أبي جهل
أما الطاغية الأكبر أبو جهل ، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل ، فجعل يشجع جيشه ويقول لهم في شراسة ومكابرة‏ :‏ لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على ميعاد من محمد ، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد ، فإنهم قد عجلوا ، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال ، ولا ألفين رجلاً منكم قتل منهم رجلاً، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم بسوء صنيعهم ‏.‏
ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة ، فما لبث إلا قليلاً حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين ‏.‏

نعم ، بقى حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجًا من السيوف ، وغابات من الرماح ، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج ، وأقلعت هذه الغابات ، وحينئذ ظهر هذا الطاغية ، ورآه المسلمون يجول على فرسه ، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدي غلامين أنصاريين‏ .‏



من روائع الإيمان في هذه المعركة
لقد أسلفنا نموذجين رائعين من عمير بن الحمام وعوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ وقد تجلت في هذه المعركة مناظر رائعة تبرز فيها قوة العقيدة وثبات المبدأ، ففي هذه المعركة التقى الآباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة، خالفت بينهما المبادئ ففصلت بينهما السيوف، والتقى المقهور بقاهره فشفي منه غيظه‏.‏

1 ـ روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال لأصحابه‏:‏ ‏" ‏إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتَرِيّ بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا "‏، فقال أبو حذيفة بن عتبة‏:‏ أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه ـ أو لألجمنه ـ بالسيف ، فبلغت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال لعمر بن الخطاب‏ :‏" يا أبا حفص ، أيضرب وجه عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالسيف‏ "‏، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ، دعني فلأضرب عنقه بالسيف ، فوالله لقد نافق ‏.‏
فكان أبو حذيفة يقول‏ :‏ ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عنى الشهادة‏ .‏ فقتل يوم اليمامة شهيدًا ‏.‏


2 ـ وكان النهي عن قتل أبي البختري ، لأنه كان أكف القوم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو بمكة ، وكان لا يؤذيه ، ولا يبلغ عنه شيء يكرهه ، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني المطلب ‏.‏
ولكن أبا البختري قتل على رغم هذا كله، وذلك أن المُجَذَّر بن زياد الْبَلَوِىّ لقيه في المعركة ومعه زميل له ، يقاتلان سويًا ، فقال المجذر‏:‏ يا أبا البخترى إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قد نهانا عن قتلك ، فقال ‏:‏ وزميلي ‏؟‏ فقال المجذر ‏:‏ لا والله ما نحن بتاركي زميلك ، فقال‏ : ‏والله إذن لأموتن أنا وهو جميعًا ، ثم اقتتلا ، فاضطر المجذر إلى قتله ‏.‏


3 ـ كان عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة ، فلما كان يوم بدر مر به عبد الرحمن ، وهو واقف مع ابنه على بن أمية ، آخذًا بيده ، ومع عبد الرحمن أدراع قد استلبها ، وهو يحملها ، فلما رآه قال ‏:‏ هل لك في ‏؟‏ فأنا خير من هذه الأدراع التي معك ، ما رأيت كاليوم قط ، أما لكم حاجة في اللبن ‏؟‏ ـ يريد أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن ـ فطرح عبد الرحمن الأدراع ، وأخذهما يمشى بهما ، قال عبد الرحمن ‏:‏ قال لي أمية بن خلف ، وأنا بينه وبين ابنه‏ :‏ من الرجل منكم المعلم بريشة النعامة في صدره ‏؟‏ قلت ‏:‏ ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال‏:‏ ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ‏.‏


قال عبد الرحمن‏ :‏ فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي ـ وكان أمية هو الذي يعذب بلالاً بمكة ـ فقال بلال ‏:‏ رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوت إن نجا‏.‏ قلت‏:‏ أي بلال ، أسيري‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ قلت‏:‏ أتسمع يا بن السوداء‏.‏ قال‏:‏ لا نجوت إن نجا‏.‏ ثم صرخ بأعلى صوته‏:‏ يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏.‏ قال‏:‏ فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل الْمَسَكَة، وأنا أذب عنه، قال‏:‏ فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت‏:‏ انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أغني عنك شيئًا‏.‏ قال‏:‏ فَهَبَرُوهُمَا بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول‏:‏ يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري‏ .‏
وفي زاد المعاد أن عبد الرحمن بن عوف قال لأمية : ابرك ، فبرك ، فألقى نفسه عليه ، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه ، وأصاب بعض السيف رجل عبد الرحمن بن عوف .


وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي ـ أي خاصتي ومالي ـ بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة ،‏ فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس الأنصار فقال‏:‏ أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه ليشغلهم، فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان رجلاً ثقيلاً، فلما أدركونا قلت له‏:‏ ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه‏.‏ وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه‏.‏

4 ـ وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه، ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وهو في الأسر‏:‏ يا عباس أسلم، فوالله أن تسلم أحب إلى من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يعجبه إسلامك.

5 ـ ونادى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ابنه عبد الرحمن ـ وهو يومئذ مع المشركين ـ فقال‏:‏ أين مالي يا خبيث‏؟‏ فقال عبد الرحمن‏:‏
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شَكَّةٍ ويَعْبُوب وصَارِمٍ يَقْتُلُ ضُلاَّل الشِّيَبْ

6 ـ ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على بابه يحرسه متوشحًا سيفه ، رأى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له‏:‏ والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم‏ ؟‏ قال‏:‏ أجل والله يا رسول الله ، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلىّ من استبقاء الرجال ‏.‏

7ـ وانقطع يومئذ سيف عُكَّاشَة بن مِحْصَن الأسدي ، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأعطاه جِذْلاً من حطب ، فقال ‏:‏ ‏( ‏قاتل بهذا يا عكاشة ‏) ‏، فلما أخذه من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هزه ، فعاد سيفًا في يده طويل القامة ، شديد المتن، أبيض الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله تعالى للمسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العَوْن ، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد ، حتى قتل في حروب الردة وهو عنده ‏.‏ رواه ابن إسحاق في سيرته.

8 ـ وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين ، مر به وأحد الأنصار يشد يده ، فقال مصعب للأنصاري‏ :‏ شد يديك به ، فإن أمه ذات متاع ، لعلها تفديه منك ، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب ‏:‏ أهذه وصاتك بي ‏؟‏ فقال مصعب ‏:‏ إنه ـ أي الأنصاري ـ أخي دونك ‏.‏

9 ـ ولما أمر بإلقاء جيف المشركين في القَلِيب، وأخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، نظر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في وجه ابنه أبي حذيفة ، فإذا هو كئيب قد تغير، فقال‏:‏ ‏( ‏يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء‏ ؟‏‏ )‏ فقال‏:‏ لا والله ، يا رسول الله ، ما شككت في أبي ولا مصرعه ، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلاً ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ، فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك ‏.‏ فدعا له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بخير، وقال له خيرًا‏ .


قتلى الفريقين
انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين ، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين ، وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلاً ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ‏.‏
أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة ، قتل منهم سبعون ، وأسر سبعون ،‏ وعامتهم القادة والزعماء والصناديد‏ .‏


ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى وقف على القتلى فقال ‏:‏ ‏" ‏بئس العشيرة كنتم لنبيك، كذبتموني وصدقني الناس ، وخذلتموني ونصرني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس "‏_ زاد المعاد (3/187) _ ، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قُلُب بدر ‏.‏
وعن أبي طلحة‏:‏ أن نبي الله(صلى الله عليه وسلم) أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش ، فقذفوا في طَويّ من أطواء بدر خَبِيث مُخْبث‏ .‏ وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصَة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ، ثم مشى ، واتبعه أصحابه ‏.‏

حتى قام على شفة الرَّكِىّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ‏" يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله‏؟‏ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا‏ ؟ "‏ فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ‏؟‏
قال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏ :‏ ‏" ‏والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‏ "‏ وفي رواية ‏:‏ "‏ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا يجيبون‏ "‏‏.‏ متفق عليه





مكة تتلقى أنباء الهزيمة

فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة ، تبعثروا في الوديان والشعاب ، واتجهوا صوب مكة مذعورين ، لا يدرون كيف يدخلونها خجلاً ‏.‏
قال ابن إسحاق‏ :‏ وكان أول من قدم بمصاب قريش الحَيْسُمَان بن عبد الله الخزاعى ، فقالوا‏ :‏ ما وراءك ‏؟‏ قال ‏:‏ قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هش
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: النشاط العسكري بين بدر وأحد   الإثنين فبراير 01, 2010 1:34 am


النشاط العسكري بين بدر وأحد
إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين ، وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نصراً حاسماً شهد له العرب قاطبة ‏.‏ والذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة هم أولئك الذين منوا بخسائر فادحة مباشرة ، وهم المشركون ، أو الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضرباً قاصماً على كيانهم الديني والاقتصادي ، وهم اليهود ‏.‏
فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظاً وحنقًا على المسلمين ‏"‏لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ‏ "‏ ‏[‏المائدة‏:‏82‏] ‏، وكانت في المدينة بطانة للفريقين دخلوا في الإسلام حين لم يبق مجال لعزهم إلا في الإسلام، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، ولم تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظاً من الأوليين‏ .‏
وكانت هناك فرقة رابعة ، وهم البدو الضاربون حول المدينة ، لم يكن يهمهم مسألة الكفر والإيمان ، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار، وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحقدون على المسلمين وصاروا لهم أعداء‏ .‏
وتبين بهذا أن الانتصار في بدر كما كان سبباً لشوكة المسلمين وعزهم وكرامتهم كذلك كان سبباً لحقد جهات متعددة، وكان من الطبيعي أن يتبع كل فريق ما يراه كفيلاً لإيصاله إلى غايته‏.‏
فبينما كانت المدينة وما حولها تظاهر بالإسلام، وتأخذ في طريق المؤامرات والدسائس الخفية كانت فرقة من اليهود تعلن بالعداوة، وتكاشف عن الحقد والغيظ، وكانت مكة تهدد بالضرب القاصم، وتعلن بأخذ الثأر والنقمة، وتهتم بالتعبئة العامة جهاراً، وترسل إلى المسلمين بلسان حالها، تقول‏:‏
ولا بد من يوم أغرّ مُحَجَّل يطول استماعي بعده للنوادب
وفعلاً فقد قادت غزوة قاصمة إلى أسوار المدينة عرفت في التاريخ بغزوة أحد ، والتي كان لها أثر سيئ على سمعة المسلمين وهيبتهم‏ .

غزوة بني سليم بالكدر
أول ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بعد بدر أن بني سليم وبني غَطَفَان تحشد قواتها لغزو المدينة ، فباغتهم النبي(صلى الله عليه وسلم) في مائتي راكب في عقر دراهم، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له‏:‏ الكُدْر‏.‏
ففر بنو سليم، وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولي عليها جيش المدينة ، وقسمها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين ، وأصاب غلاما يقال له ‏:‏ ‏( ‏يسار ‏)‏ فأعتقه ‏.‏
وأقام النبي(صلى الله عليه وسلم) في ديارهم ثلاثة أيام ، ثم رجع إلى المدينة‏ .‏
وكانت هذه الغزوة في شوال سنة 2 هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام ، أوفي المحرم للنصف منه ، واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة ‏.‏ وقيل ‏:‏ ابن أم مكتوم ‏.‏

مؤامرة لاغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم)
كان من أثر هزيمة المشركين في وقعة بدر أن استشاطوا غضباً، وجعلت مكة تغلي كالمِرْجَل ضد النبي(صلى الله عليه وسلم) ، حتى تآمر بطلان من أبطالها أن يقضوا على مبدأ هذا الخلاف والشقاق ومثار هذا الذل والهوان في زعمهم ، وهو النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير ـ وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وهم بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أساري بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم ، فقال صفوان ‏:‏ والله إن في العيش بعدهم خير ‏.‏
قال له عمير‏:‏ صدقت واللّه، أما واللّه لولا دَيْن علي ليس له عندي قضاء ، وعيال أخشي عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً ، ابني أسير في أيديهم‏ .‏
فاغتنمها صفوان وقال ‏:‏ على دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيإلى ، أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم ‏.‏
فقال له عمير ‏:‏ فاكتم عني شأني وشأنك ‏.‏ قال‏:‏ أفعل ‏.‏
ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة ، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ـ وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر ـ فقال عمر‏:‏ هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر‏.‏ ثم دخل على النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏:‏ يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه ، قال‏:‏ ‏( ‏فأدخله علي‏ )‏ ، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه ، وقال لرجال من الأنصار ‏:‏ ادخلوا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ـ قال ‏:‏ ‏" ‏أرسله يا عمر، ادن يا عمير "‏، فدنا وقال‏ :‏ أنْعِمُوا صباحاً ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة‏ "‏‏.‏
ثم قال ‏:‏ ‏" ‏ما جاء بك يا عمير ‏‏؟ ‏"
قال‏ :‏ جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا فيه‏ .‏
قال ‏:‏ ‏" ‏فما بال السيف في عنقك‏ ؟ "‏
قال ‏: ‏قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئاً ‏؟‏
قال ‏:‏ "‏اصدقني ، ما الذي جئت له "‏
قال ‏:‏ ما جئت إلا لذلك ‏.‏
قال ‏:‏ "‏بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت ‏:‏ لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً ، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائل بينك وبين ذلك "‏‏.‏
قال عمير ‏:‏ أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم تشهد شهادة الحق ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره‏ "‏‏.‏

وأما صفوان فكان يقول‏:‏ أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر‏.‏ وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا ، ولا ينفعه بنفع أبداً ‏.‏
ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام ، فأسلم على يديه ناس كثير ‏.‏
أخرجه الطبراني في الكبير(17/رقم120) وقال الهيثمي في المجمع : ورجاله رجال الصحيح

غزوة بني قينقاع
قدمنا بنود المعاهدة التي عقدها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مع اليهود ، وقد كان حريصاً كل الحرص على تنفيذ ما جاء في هذه المعاهدة ، وفعلاً لم يأت من المسلمين ما يخالف حرفاً واحداً من نصوصها ‏.‏
ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود ، لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة ، وأخذوا في طريق الدس والمؤامرة والتحريش وإثارة القلق والاضطراب في صفوف المسلمين‏ .


نموذج من مكيدة اليهود
قال ابن إسحاق‏:‏ مر شاس بن قيس ـ وكان شيخاً ‏[ ‏يهودياً ‏]‏ قد عسا ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم ، يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال ‏:‏ قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتي شاباً من يهود كان معه ، فقال ‏:‏ اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه ‏:‏ إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعاً ، وقالوا‏ :‏ قد فعلنا ، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة ‏:‏ الحَرَّة ـ السلاح السلاح ، فخرجوا إليها ‏[ ‏وكادت تنشب الحرب‏ ] ‏‏.‏
فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال ‏:‏ "‏يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم "‏ ابن هشام (1/556،555) وابن جرير (4/23)
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس ‏.‏

هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والفتن في المسلمين ، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية ، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل ‏.‏ فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة ، ويؤمنون وجه النهار ، ثم يكفرون آخره ، ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء ، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي ، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء ، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل ، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون ‏:‏ إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك ، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل ‏.‏
كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر على رغم المعاهدة التي عقدوها مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه يصبرون على كل ذلك ، حرصاً على رشدهم ، وعلى بسط الأمن والسلام في المنطقة ‏.‏
بنو قينقاع ينقضون العهد

لكنهم لما رأوا أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر ، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني‏.‏ تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والأذى ‏.‏
وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً كعب بن الأشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع ، كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني ، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب ، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة ، وكانوا أشجع يهود المدينة ، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود ‏.‏
فلما فتح الله للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم ، وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم ، فكانوا يثيرون الشغب ، ويتعرضون بالسخرية ، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم ‏.‏
وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم ، جمعهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدى ، وحـذرهم مغـبة البغـي والـعدوان ، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم ‏.‏
روي أبو داود وغيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏:‏ لما أصاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قريشاً يوم بدر ، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏" ‏يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً‏ "‏‏.‏ قالوا ‏: ‏يا محمد ، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال ، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا ، فأنزل الله تعالى ‏:‏ "‏قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ‏ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ‏ "‏ ‏[‏آل عمران 12، 13‏]‏‏.‏ وضعف إسناده الألباني ضعيف أبي داود (3001)
كان في معني ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر عن الحرب ، ولكن كظم النبي(صلى الله عليه وسلم) غيظه ، وصبر المسلمون ، وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالي والأيام ‏.‏
وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة ، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً ، وسعوا إلى حتفهم بظلفهم ، وسدوا على أنفسهم أبواب الحياة ‏.‏
روى ابن هشام عن أبي عون ‏:‏ أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع ‏.‏
الحصار ثم التسليم ثم الجلاء
وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فاستخلف على المدينة أبا لُبَابة بن عبد المنذر ، وأعطي لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب ، وسار بجنود الله إلى بني قينقاع ، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم ، فحاصرهم أشد الحصار ، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم ، فأمر بهم فكتفوا‏ .‏

وحينئذ قام عبد الله بن أبي بن سلول بدور نفاقه ، فألح على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يصدر عنهم العفو ، فقال ‏:‏ يا محمد ، أحسن فـي موالي ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فكرر ابن أبي مقالته فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درعه ، فقال له رسول اللَّّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏(‏ أرسلني ‏)‏ ، وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏ويحك ، أرسلني‏ ) ‏‏.‏ ولكن المنافق مضى على إصراره وقال ‏:‏ لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة ‏؟‏ إني والله امرؤ أخشي الدوائر ‏.‏
وعامل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالمراعاة ،‏ فوهبهم له ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها ، فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام ، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم ‏.‏
وقبض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) منهم أموالهم ، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح ، وخمس غنائمهم ، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة ‏.

غزوة السويق
بينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم ، كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر ، يتعجل به ، ليحفظ مكانة قومه ، ويبرز ما لديهم من قوة ، وكان قد نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً ، فخرج في مائتي راكب ليبِرَّ يمينه ، حتى نزل بصدْر قَناة إلى جبل يقال له‏ :‏ ثَيبٌ ، من المدينة على بَرِيد أو نحوه ، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً ، فقام بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة ، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفياً تحت جنح الظلام ، فأتي حيي بن أخطب ، فاستفتح بابه ، فأبى وخاف ، فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بنِي النضير ، وصاحب كنزهم إذ ذاك ، فاستأذن عليه فأذن ، فَقَرَاه وسقاه الخمر ، وبَطَن له من خبر الناس ، ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه ، فبعث مفرزة منهم ، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها ‏:‏ ‏[ ‏العُرَيض‏ ] ‏، فقطعوا وأحرقوا هناك أصْْوَارًا من النخل ، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما ، وفروا راجعين إلى مكة ‏.‏
وبلغ رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) الخبر ، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه ، ولكنهم فروا ببالغ السرعة ، وطرحوا سويقاً كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم ، يتخففون به ، فتمكنوا من الإفلات ، وبلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى قَرْقَرَةِِ الكُدْر ، ثم انصرف راجعاً‏ ، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم ، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق ‏.‏ وقد وقعت في ذي الحجة سنة 2 هـ بعد بدر بشهرين ، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر ‏.‏
غزوة ذي أمر
وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قبل معركة أحد ، قادها في المحرم سنة 3 هـ ‏.‏
وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا ، يريدون الإغارة على أطراف المدينة ، فندب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المسلمين ، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ‏.‏
وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له ‏:‏ جُبَار من بني ثعلبة ، فأدخل على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فدعاه إلى الإسلام فأسلم ، فضمه إلى بلال ، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو ‏.‏
وتفرق الأعداء في رؤوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة ‏.‏ أما النبي(صلى الله عليه وسلم) فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم ، وهو الماء المسمي ‏[ ‏بذي أمر ‏]‏ فأقام هناك صفراً كله ـ من سنة 3 هـ ـ أو قريباً من ذلك ، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين ، ويستولي عليهم الرعب والرهبة ، ثم رجح إلى المدينة‏ .‏
قتل كعب بن الأشرف
كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين ، وإيذاء لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وتظاهرا بالدعـوة إلى حربه ‏.‏
كان من قبيلة طيئ ـ من بني نَبْهان ـ وأمه من بني النضير ، وكان غنياً مترفاً معروفاً بجماله في العرب ، شاعراً من شعرائها‏.‏ وكان حصنه في شرق جنوب المدينة خلف ديار بني النضير ‏.‏
ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال‏ :‏ أحق هذا ‏؟‏ هؤلاء أشراف العرب ، وملوك الناس ، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها ‏.‏

ولما تأكد لديه الخبر ، انبعث عدو الله يهجو رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم ، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش ، فنزل على المطلب بن أبي وَدَاعة السهمي ، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القَلِيب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم ، ويذكي حقدهم على النبي(صلى الله عليه وسلم) ، ويدعوهم إلى حربه ، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون‏:‏ أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه‏ ؟‏ وأي الفريقين أهدي سبيلاً‏ ؟‏ فقال ‏:‏ أنتم أهدى منهم سبيلاً ، وأفضل ، وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏" ‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً‏ "‏ ‏[‏ النساء‏:‏ 51‏]‏‏ .‏
ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال ، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء‏ .‏
وحينئذ قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه آذى الله ورسوله ‏)‏ ، فانتدب له محمد بن مسلمة ، وعَبَّاد بن بشر ، وأبو نائلة ـ واسمه سِلْكَان بن سلامة ، وهو أخو كعب من الرضاعة ـ والحارث بن أوس ، وأبو عَبْس بن جبر ، وكان قائد هذه المفرزة محمد بن مسلمة‏ .‏
وتفيد الروايات في قتل كعب بن الأشرف أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لما قال ‏:‏ ‏( ‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه قد آذى الله ورسوله ‏)‏ ، قام محمد بن مسلمة فقال ‏:‏ أنا يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم‏ ) ‏‏.‏ قال‏:‏ فأذن لي أن أقول شيئاً‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏قل ‏)‏‏ .‏
فأتاه محمد بن مسلمة ، فقال ‏:‏ إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ، وإنه قد عَنَّانا‏ .‏
قال كعب ‏:‏ والله لَتَمَلُّنَّهُ‏ .‏
قال محمد بن مسلمة‏ :‏ فإنا قد اتبعناه ، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ‏؟‏ وقد أردنا أن تسلفنا وَسْقـًا أو وَسْقَين ‏.‏
قال كعب ‏:‏ نعم ، أرهنوني ‏.‏
قال ابن مسلمة ‏:‏ أي شيء تريد ‏؟‏
قال ‏:‏ أرهنوني نساءكم ‏.‏
قال‏ :‏ كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ‏؟‏
قال ‏:‏ فترهنوني أبناءكم ‏.‏
قال‏ :‏ كيف نرهنك أبناءنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقال ‏:‏ رُهِن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ‏.‏ ولكنا نرهنك الَّلأْمَة ، يعني السلاح ‏.‏
فواعده أن يأتيه ‏.‏
وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة ، فقد جاء كعباً فتناشد معه أطراف الأشعار سويعة ، ثم قال له‏ :‏ ويحك يا بن الأشرف ، إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني ‏.‏
قال كعب‏ :‏ أفعل ‏.‏
قال أبو نائلة‏ :‏ كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء ، عادتنا العرب ، ورمتنا عن قَوْسٍ واحدة ، وقطعتْ عنا السبل ، حتى ضاع العيال ، وجُهِدَت الأنفس ، وأصبحنا قد جُهِدْنا وجُهِد عيالنا،ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة ‏.‏
وقال أبو نائلة أثناء حديثه‏:‏ إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي،وقد أردت أن آتيك بهم ، فتبيعهم وتحسن في ذلك ‏.‏
وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في هذا الحوار إلى ما قصد ، فإن كعباً لن ينكر معهما السلاح والأصحاب بعد هذا الحوار‏ .‏
وفي ليلة مُقْمِرَة ـ ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 3 هـ ـ اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فشيعهم إلى بَقِيع الغَرْقَد ، ثم وجههم قائلاً‏ :‏ ‏( ‏انطلقوا على اسم الله ، اللّهم أعنهم‏ )‏ ، ثم رجع إلى بيته ، وطفق يصلى ويناجي ربه ‏.‏
وانتهت المفرزة إلى حصن كعب بن الأشرف ، فهتف به أبو نائلة ، فقام لينزل إليهم ، فقالت له امرأته ـ وكان حديث العهد بها‏ :‏ أين تخرج هذه الساعة ‏؟‏ أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم‏ .‏
قال كعب‏ :‏ إنما هو أخي محمد بن مسلمة ، ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريم لو دعي إلى طعنة أجاب ، ثم خرج إليهم وهو متطيب ينفح رأسه ‏.‏

وقد كان أبو نائلة قال لأصحابه ‏:‏ إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمه ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، فلما نزل كعب إليهم تحدث معهم ساعة، ثم قال أبو نائلة‏:‏ هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدث بقية ليلتنا ‏؟‏
قال ‏:‏ إن شئتم ، فخرجوا يتماشون ، فقال أبو نائلة وهو في الطريق ‏:‏ ما رأيت كالليلة طيباً أعطر ، وزهي كعب بما سمع ، فقال ‏:‏ عندي أعطر نساء العرب ، قال أبو نائلة ‏:‏ أتأذن لي أن أشم رأسك ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، فأدخل يده في رأسه فشمه وأشم أصحابه ‏.‏
ثم مشى ساعـة ثم قال ‏:‏ أعود ‏؟‏ قال كعب ‏:‏ نعم ، فعاد لمثلها ‏.‏ حتى اطمأن ‏.‏
ثم مشى ساعة ثم قال ‏:‏ أعود ‏؟‏ قال‏ :‏ نعم ، فأدخل يده في رأسه ، فلما استمكن منه قال ‏:‏ دونكم عدو الله ، فاختلفت عليه أسيافهم ، لكنها لم تغن شيئاً ، فأخذ محمد بن مسلمة مِغْوَلاً فوضعه في ثُنَّتِهِ ، ثم تحامل عليه حتى بلغ عانته ، فوقع عدو الله قتيلاً، وكان قد صاح صيحة شديدة أفزعت من حوله ، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه النيران ‏.‏ أخرجه أبو داود (2768) وصححه الألباني
ورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذُبَاب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حَرَّة العُرَيْض رأت أن الحارث ليس معهم ، فوقفت ساعة حتى أتاهم يتبع آثارهم ، فاحتملوه ، حتى إذا بلغوا بَقِيع الغَرْقَد كبروا ، وسمع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) تكبيرهم ، فعرف أنهم قد قتلوه ، فكبر، فلما انتهوا إليه قال ‏:‏ ‏( ‏أفلحت الوجوه ‏)‏ ، قالوا ‏:‏ ووجهك يا رسول الله ، ورموا برأس الطاغية بين يديه ، فحمد الله على قتله ، وتفل علي جرح الحارث فبرأ ، ولم يؤذ بعده ‏.‏
ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف دب الرعب في قلوبهم العنيدة ، وعلموا أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) لن يتوانى في استخدام القوة حين يري أن النصح لا يجدي نفعاً لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الاضطرابات وعدم احترام المواثيق ، فلم يحركوا ساكناً لقتل طاغيتهم ، بل لزموا الهدوء ، وتظاهروا بإيفاء العهود ، واستكانوا ، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها ‏.‏
وهكذا تفرغ الرسول(صلى الله عليه وسلم) ـ إلى حين ـ لمواجهة الأخطار التي كان يتوقع حدوثها من خارج المدينة ، وأصبح المسلمون وقد تخفف عنهم كثير من المتاعب الداخلية التي كانوا يتوجسونها ، ويشمون رائحتها بين آونة وأخري ‏.‏
غزوة بحران
وهي دورية قتال كبيرة ، قوامها ثلاثمائة مقاتل ، قادها الرسول(صلى الله عليه وسلم) في شهر ربيع الآخر سنة 3 هـ إلى أرض يقال لها‏ :‏ بحران ـ وهي مَعْدِن بالحجاز من ناحية الفُرْع ـ فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ـ من السنة الثالثة من الهجرة ـ ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق حرباً‏
.
سرية زيد بن حارثة
وهي آخر وأنجح دورية للقتال قام بها المسلمون قبل أحد ، وقعت في جمادي الآخرة سنة 3 هـ‏ . ‏
وتفصيلها‏ :‏ أن قريشاً بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب ، وجاء الصيف ، واقترب موسم رحلتها إلى الشام ، فأخذها هَمٌّ آخر ‏.‏
قال صفوان بن أمية لقريش ـ وهو الذي نخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام ‏:‏ إن محمداً وصحبه عَوَّرُوا علينا متجرنا ، فما ندري كيف نصنع بأصحابه ، وهم لا يبرحون الساحل ‏؟‏ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه ، فما ندري أين نسلك ‏؟‏ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء‏ .‏ وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى الحبشة في الشتاء‏.‏

ودارت المناقشة حول هذا الموضوع ، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان‏:‏ تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق ـ وهي طريق طويلة جداً تخترق نجداً إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل ـ فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فُرَات بن حَيَّان ـ من بني بكر بن وائل ـ دليلاً له ، ويكون رائده في هذه الرحلة‏ .‏
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديدة ، إلا أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى المدينة‏.‏ وذلك أن سَلِيط بن النعمان ـ كان قد أسلم ـ اجتمع في مجلس شرب ـ وذلك قبل تحريم الخمر ـ مع نعيم بن مسعود الأشجعي ـ ولم يكن أسلم إذ ذاك ـ فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير وخطة سيرها ، فأسرع سليط إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) يروي له القصة‏ .‏
وجهز رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لوقته حملة قوامها مائة راكب في قيادة زيد بن حارثة الكلبي ، وأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة ـ على حين غرة ـ وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له ‏:‏ قَرْدَة ـ بالفتح فالسكون ـ فاستولي عليها كلها ، ولم يكن من صفوان ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة ‏.‏
وأسر المسلمون دليل القافلة ـ فرات بن حيان ، وقيل ‏:‏ ورجلين غيره ـ وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني والفضة كانت تحملها القافلة ، قدرت قيمتها بمائة ألف، وقسم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس ، وأسلم فرات بن حيان على يديه(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

وكانت مأساة شديدة ونكبة كبيرة أصابت قريشاً بعد بدر ، اشتد لها قلق قريش وزادتها هما وحزناً‏ .‏ ولم يبق أمامها إلا طريقان ، إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها ، وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين ، أو تقوم بحرب شاملة تعيد لها مجدها التليد ، وعزها القديم ، وتقضي على قوات المسلمين بحيث لا يبقي لهم سيطرة على هذا ولا ذاك ، وقد اختارت مكة الطريق الثانية ، فازداد إصرارها على المطالبة بالثأر ، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة ، وتصميمها على الغزو في ديارهم ، فكان ذلك وما سبق من أحداث التمهيد القوي لمعركة أحد ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: الجزء الاول غزوة أحد   الإثنين فبراير 01, 2010 1:45 am




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

استعداد قريش لمعركة ناقمة

كانت مكة تحترق غيظاً على المسلمين مما أصابها في معركة بدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والأشراف ، وكانت تجيش فيها نزعات الانتقام وأخذ الثأر ، حتى إن قريشاً كانوا قد منعوا البكاء على قتلاهم في بدر ، ومنعوا من الاستعجال في فداء الأسارى حتى لا يتفطن المسلمون مدي مأساتهم وحزنهم ‏.‏

وعلى أثر غزوة بدر اتفقت قريش على أن تقوم بحرب شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها وتروي غلة حقدها ، وأخذت في الاستعداد للخوض في مثل هذه المعركة ‏.‏
وكان عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وأبو سفيان بن حرب ، وعبد الله بن أبي ربيعة أكثر زعماء قريش نشاطاً وتحمساً لخوض المعركة ‏.‏
وأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا بها أبو سفيان ، والتي كانت سبباً لمعركة بدر ، وقالوا للذين كانت فيها أموالهم ‏:‏ يا معشر قريش ، إن محمداً قد وَتَرَكُم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً ، فأجابوا لذلك ، فباعوها ، وكانت ألف بعير ، والمال خمسين ألف دينار ، وفي ذلك أنزل الله تعالى ‏:‏ ‏"‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ‏" "‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 36‏]‏
ثم فتحوا باب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الأحابيش وكنانة وأهل تهامة ، وأخذوا لذلك أنواعا من طرق التحريض ، حتى إن صفوان بن أمية أغري أبا عزة الشاعر ـ الذي كان قد أسر في بدر ، فَمَنَّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأطلق سراحه بغير فدية ، وأخذ منه العهد بألا يقوم ضده ـ أغراه على أن يقوم بتحريض القبائل ضد المسلمين ، وعاهده أنه إن رجع عن الغزوة حياً يغنيه، وإلا يكفل بناته ، فقام أبو عزة بتحريض القبائل بأشعاره التي كانت تذكي حفائظهم ، كما اختاروا شاعراً آخر ـ مُسَافع بن عبد مناف الجمحي ـ لنفس المهمة ‏.‏
وكان أبو سفيان أشد تأليباً على المسلمين بعدما رجع من غزوة السَّوِيق خائباً لم ينل ما في نفسه ، بل أضاع مقدارًا كبيراً من تمويناته في هذه الغزوة‏ .‏
وزاد الطينة بلة ـ أو زاد النار إذكاء ، إن صح هذا التعبير ـ ما أصاب قريشاً أخيراً في سرية زيد بن حارثة من الخسارة الفادحة التي قصمت فقار اقتصادها ، وزودها من الحزن والهم ما لا يقادر قدره ، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين ‏.‏

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
قوام جيش قريش وقيادته

ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها ، واجتمع إليها من المشركين ثلاثة آلاف مقاتل من قريش والحلفاء والأحابيش ، ورأي قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم ، وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة ‏.‏
وكان سلاح النقليات في هذا الجيش ثلاثة آلاف بعير ، ومن سلاح الفرسان مائتا فرس ، جنبوها طول الطريق ، وكان من سلاح الوقاية سبعمائة درع‏ .‏
وكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان بن حرب ، وقيادة الفرسان إلى خالد بن الوليد يعاونه عكرمة بن أبي جهل ‏.‏
أما اللواء فكان إلى بني عبد الدار ‏.‏

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

جيش مكة يتحرك



تحرك الجيش المكي بعد هذا الإعداد التام نحو المدينة ، وكانت الثارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب ، ويشف عما سوف يقع من قتال مرير ‏.‏
الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو

وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية ، فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة مستعجلة إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ضمنها جميع تفاصيل الجيش ‏.‏
وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة ، وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة ـ التي تبلغ مسافتها إلى نحو خمسمائة كيلو متراً ـ في ثلاثة أيام ، وسلم الرسالة إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) وهو في مسجد قباء ‏.‏
قرأ الرسالة على النبي(صلى الله عليه وسلم) أبي بن كعب ، فأمره بالكتمان ، وعاد مسرعاً إلى المدينة ، وتبادل الرأي مع قادة المهاجرين والأنصار

‏.
استعداد المسلمين للطوارئ

وظلت المدينة في حالة استنفار عام لا يفارق رجالها السلاح حتى وهم في الصلاة ، استعداداً للطوارئ ‏.‏
وقامت مفرزة من الأنصار ـ فيهم سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن عبادة ـ بحراسة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح ‏.‏
وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها ، خوفا من أن يؤخذوا على غرة
وقامت دوريات من المسلمين ـ لاكتشاف تحركات العدو ـ تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للإغارة على المسلمين ‏.‏


الجيش المكي إلى أسوار المدينة

وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسية المعتادة ، ولما وصل إلى الأبْوَاء اقترحت هند بنت عتبة ـ زوج أبي سفيان ـ بنبش قبر أم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، بَيدَ أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب ، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فتحو هذا الباب ‏.‏
ثم واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة ، فسلك وادي العَقيق ، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل قريباً بجبل أحد ، في مكان يقال له ‏:‏ عَينَيْن ، في بطن السَّبْخَة من قناة على شفير الوادي ـ الذي يقع شمإلى المدينة بجنب أحـد ، فعسكر هناك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة ‏.‏



المجلس الاستشاري لأخذ خطة الدفاع

ونقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خبراً بعد خبر حتى الخبر الأخير عن معسكره ، وحينئذ عقد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مجلساً استشارياً عسكرياً أعلى ، تبادل فيه الرأي لاختيار الموقف ، وأخبرهم عن رؤيا رآها ، قال‏:‏ "‏إني قد رأيت والله خيراً ، رأيت بقراً يذبح ، ورأيت في ذُبَاب سيفي ثُلْماً ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة "‏ ، وتأوّل البقر بنفر من أصحابه يقتلون ، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأول الدرع بالمدينة‏ . ‏
ثم قدم رأيه إلى صحابته ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها ، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بِشَرِّ مُقَام وبغير جدوى ، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، وكان هذا هو الرأي ‏.‏
ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول ـ رأس المنافقين ـ وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء الخزرج ‏.‏ ويبدو أن موافقته لهذا الرأي لم تكن لأجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية ، بل ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك أحد ، وشاء الله أن يفتضح هو وأصحابه ـ لأول مرة ـ أمام المسلمين وينكشف عنهم الغطاء الذي كان كفرهم ونفاقهم يكمن وراءه ، ويتعرف المسلمون في أحرج ساعاتهم على تلك الأفاعي التي كانت تتحرك تحت ملابسهم وأكمامهم‏.‏
فقد بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ومن غيرهم ، فأشاروا على النبي(صلى الله عليه وسلم) بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك حتى قال قائلهم ‏:‏ يا رسول الله ، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله ، فقد ساقه إلينا وقرب المسير ، اخرج إلى أعدائنا ، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم ‏.‏
وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ الذي كان قد أبلي أحسن بلاء في معركة بدر ـ فقد قال للنبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة ‏.‏
وتنازل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن رأيه مراعاة لهؤلاء المتحمسين ، واستقر الرأي على الخروج من المدينة ، واللقاء في الميدان السافر ‏.‏


تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساح القتال

ثم صلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بالناس يوم الجمعة ، فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد ، وأخبر أن لهم النصر بما صبروا ، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ، ففرح الناس بذلك‏ .‏ ثم صلى بالناس العصر ، وقد حشدوا وحضر أهل العَوَالي ، ثم دخل بيته ، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ، فعمماه وألبساه ، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين ‏[ ‏أي لبس درعا فوق درع ‏]‏ وتقلد السيف ، ثم خرج على الناس ‏.‏
وكان الناس ينتظرون خروجه ، وقد قال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ‏:‏ استكرهتم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الخروج فردوا الأمر إليه ، فندموا جميعاً على ما صنعوا ، فلما خرج قالوا له ‏:‏ يا رسول الله ، ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت ، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ‏.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ :‏ ‏" ‏ما ينبغي لنبي إذا لبس لأْمَتَه ـ وهي الدرع ـ أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه "‏ ‏.‏
وقسم النبي(صلى الله عليه وسلم) جيشه إلى ثلاث كتائب‏ :‏
1‏.‏ كتيبة المهاجرين ، وأعطي لواءها مصعب بن عمير العبدري‏ .‏
2‏.‏ كتيبة الأوس من الأنصار ، وأعطي لواءها أسيد بن حضير ‏.‏
3‏.‏ كتيبة الخزرج من الأنصار ، وأعطي لواءها الحُبَاب بن المنذر‏ .‏
وكان الجيش متألفاً من ألف مقاتل فيهم مائة دارع ، ولم يكن فيهم من الفرسان أحد ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة ، وآذن بالرحيل ، فتحرك الجيش نحو الشمال ، وخرج السعدان أمام النبي(صلى الله عليه وسلم) يعدوان دارعين ‏.‏
ولما جاوز ثنية الوداع رأي كتيبة حسنة التسليح منفردة عن سواد الجيش ، فسأل عنها ، فأخبر أنهم اليهود من حلفاء الخزرج يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين ، فسأل ‏:‏ ‏" هل أسلموا ‏؟‏‏ "‏ فقالوا ‏: ‏لا ، فأبى أن يستعين بأهل الكفر على أهل الشرك ‏.‏


استعراض الجيش

وعندما وصل إلى مقام يقال له ‏:‏ ‏[ ‏الشيخان‏ ]‏ استعرض جيشه ، فرد من استصغره ولم يره مطيقاً للقتال ، وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد ، وأسيد بن ظُهَير ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وعَرَابَة بن أوْس ، وعمرو بن حزم ، وأبو سعيد الخدري ، وزيد بن حارثة الأنصاري ، وسعد بن حَبَّة ، ويذكر في هؤلاء البراء بن عازب ، لكن حديثه في البخاري يدل على شهوده القتال ذلك اليوم ‏.‏
وأجاز رافع بن خَدِيج ، وسَمُرَة بن جُنْدَب على صغر سنهما ، وذلك أن رافع بن خديج كان ماهراً في رماية النبل فأجازه ، فقال سمرة‏ :‏ أنا أقوي من رافع ، أنا أصرعه ، فلما أخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بذلك أمرهما أن يتصارعا أمامه فتصارعا ، فصرع سمرة رافعاً ، فأجازه أيضاً‏ .‏

المبيت بين أحد والمدينة

وفي هذا المكان أدركهم المساء ، فصلى المغرب ، ثم صلى العشاء ، وبات هنالك ، واختار خمسين رجلاً لحراسة المعسكر يتجولون حوله ، وكان قائدهم محمد بن مسلمة الأنصاري ، بطل سرية كعب بن الأشرف ، وتولي ذَكْوَان بن عبد قيس حراسة النبي(صلى الله عليه وسلم) خاصة ‏.‏


تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه

وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج ، حتى إذا كان بالشَّوْط صلى الفجر ، وكان بمقربة جداً من العدو ، فقد كان يراهم ويرونه ، وهناك تمرد عبد الله بن أبي المنافق ، فانسحب بنحو ثلث العسكر ـ ثلاثمائة مقاتل ـ قائلاً ‏:‏ ما ندري علام نقتل أنفسنا ‏؟‏ ومتظاهراً بالاحتجاج بأن الرسول(صلى الله عليه وسلم) ترك رأيه وأطاع غيره ‏.‏
ولا شك أن سبب هذا الانعزال لم يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رأيه ، وإلا لم يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معنى‏ .‏ بل لو كان هذا هو السبب لا نعزل عن الجيش منذ بداية سيره ، بل كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد ـ في ذلك الظرف الدقيق ـ أن يحدث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من عدوهم ، حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وتنهار معنويات من يبقي معه ، بينما يتشجع العدو ، وتعلو همته لرؤية هذا المنظر ، فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه المخلصين ، ويصحو بعد ذلك الجو لعودة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه‏ .‏
وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه ، فقد همت طائفتان ـ بنو حارثة من الأوس ، وبنو سلمة من الخزرج ـ أن تفشلا ، ولكن الله تولاهما ، فثبتتا بعدما سرى فيهما الاضطراب ، وهمتا بالرجوع والانسحاب ، وعنهما يقول الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 122‏] ‏‏.‏
وحاول عبد الله بن حَرَام ـ والد جابر بن عبد الله ـ تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم في هذا الظرف الدقيق ، فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع ، ويقول ‏:‏ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا ‏:‏ لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ، فرجع عنهم عبد الله بن حرام قائلاً ‏:‏ أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيه ‏.‏
وفي هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ‏ "‏[‏آل عمران‏:‏ 167‏]‏‏
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
بقية الجيش الإسلامي إلى أحد

وبعد هذا التمرد والانسحاب قام النبي(صلى الله عليه وسلم) ببقية الجيش ـ وهم سبعمائة مقاتل ـ ليواصل سيره نحو العدو، وكان معسكر المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطق كثيرة ، فقال ‏:‏ ‏" من رجل يخرج بنا على القوم من كَثَبٍ ـ أي من قريب ـ من طريق لا يمر بنا عليهم ‏؟‏‏ "‏‏.‏
فقال أبو خَيثَمةَ‏ :‏ أنا يا رسول الله ، ثم اختار طريقاً قصيراً إلى أحد يمر بحَرَّةِ بني حارثة وبمزارعهم ، تاركاً جيش المشركين إلى الغرب ‏.‏
ومر الجيش في هذا الطريق بحائط مِرْبَع بن قَيظِي ـ وكان منافقاً ضرير البصر ـ فلما أحس بالجيش قام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول ‏:‏ لا أحل لك أن تدخل حائطي إن كنت رسول الله‏ .‏ فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏"‏ لا تقتلوه ، فهذا الأعْمَى أعمى القلب أعمى البصر "‏‏.‏
ونفذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي ، فعسكر بجيشه مستقبلاً المدينة ، وجاعلا ظهره إلى هضاب جبل أحد ، وعلى هذا صار جيش العدو فاصلاً بين المسلمين وبين المدينة ‏.‏

خطة الدفاع

وهناك عبأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) جيشه ، وهيأهم صفوفاً للقتال ، فاختار منهم فصيلة من الرماة الماهرين ، قوامها خمسون مقاتلاً ، وأعطي قيادتها لعبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسي البدري ، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قناة ـ وعرف فيما بعد بجبل الرماة ـ جنوب شرق معسكر المسلمين ، على بعد حوالى مائة وخمسين متراً من مقر الجيش الإسلامي ‏.‏
والهدف من ذلك هو ما أبداه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في كلماته التي ألقاها إلى هؤلاء الرماة ، فقد قال لقائدهم ‏:‏ "‏انضح الخيل عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك ، لا نؤتين من قبلك "‏ وقال للرماة ‏:‏ "‏احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا‏ "‏، وفي رواية البخاري أنه قال ‏:‏ "‏إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم‏ "‏.‏
بتعين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الأوامر العسكرية الشديدة سد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الثلمة الوحيدة التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين ، ويقوموا بحركات الالتفاف وعملية التطويق ‏.‏
أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو ، وجعل على الميسرة الزبير بن العوام ، يسانده المقداد بن الأسود ، وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد ، وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتازة من شجعان المسلمين ورجالاتهم المشهورين بالنجدة والبسالة ، والذين يوزنون بالآلاف ‏.‏
ولقد كانت خطة حكيمة ودقيقة جداً ، تتجلي فيها عبقرية قيادة النبي(صلى الله عليه وسلم) العسكرية ، وأنه لا يمكن لأي قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة أدق وأحكم من هذا ، فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة ، مع أنه نزل فيه بعد العدو ، فإنه حمي ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل ، وحمي ميسرته وظهره ـ حين يحتدم القتال ـ بسد الثلمة الوحيدة التي كانت توجد في جانب الجيش الإسلامي ، واختار لمعسكره موضعاً مرتفعاً يحتمي به ـ إذا نزلت الهزيمة بالمسلمين ـ ولا يلتجئ إلى الفرار ، حتى يتعرض للوقوع في قبضة الأعداء المطاردين وأسرهم ، ويلحق مع ذلك خسائر فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلال معسكره وتقدموا إليه ، وألجأ أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليهم جداً أن يحصلوا على شيء من فوائد الفتح إن كانت الغلبة لهم ، ويصعب عليهم الإفلات من المسلمين المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين ، كما أنه عوض النقص العددي في رجاله باختيار نخبة ممتازة من أصحابه الشجعان البارزين ‏.‏

وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ‏
الرسول(صلى الله عليه وسلم) ينفث روح البسالة في الجيش

ونهى الرسول(صلى الله عليه وسلم) الناس عن الأخذ في القتال حتى يأمرهم ، وظاهر بين درعين ، وحرض أصحابه على القتال ، وحضهم على المصابرة والجلاد عند اللقاء ، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه حتى جرد سيفاً باتراً ونادى أصحابه ‏:‏ "‏ من يأخذ هذا السيف بحقه‏ ؟ "‏ ، فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم على بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وعمر بن الخطاب ـ حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة ، فقال‏ :‏ وما حقه يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏" ‏أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني "‏‏ .‏ قال‏:‏ أنا آخذه بحقه يا رسول الله ، فأعطاه إياه ‏.‏
وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت ‏.‏
فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة ، وجعل يتبختر بين الصفين ، وحينئذ قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏"‏إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن‏ "‏‏.‏
تعبئة الجيش المكي

أما المشركون فعبأوا جيشهم حسب نظام الصفوف ، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد ـ وكان إذ ذاك مشركاً ـ وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، وعلى المشاة صفوان ابن أمية ، وعلى رماة النبل عبد الله بن أبي ربيعة ‏.‏
أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار ، وقد كان ذلك منصبهم منذ أن اقتسمت بنو عبد مناف المناصب التي ورثوها من قصي بن كلاب ، وكان لا يمكن لأحد أن ينازعهم في ذلك ، تقيداً بالتقاليد التي ورثوها كابراً عن كابر ، بيد أن القائد العام ـ أبا سفيان ـ ذكرهم بما أصاب قريشاً يوم بدر حين أسر حامل لوائهم النضر بن الحارث ، وقال لهم ـ ليستفز غضبهم ويثير حميتهم ‏:‏ يا بني عبد الدار ، قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتي الناس من قبل راياتهم ، وإذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه‏ .‏
ونجح أبو سفيان في هدفه ، فقد غضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان أشد الغضب ، وهموا به وتواعدوه وقالوا له ‏:‏ نحن نسلم إليك لواءنا ‏؟‏ ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع‏ .‏
وقد ثبتوا عند احتدام المعركة حتى أبيدوا عن بكرة أبيهم ‏.‏
مناورات سياسية من قبل قريش

وقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين ‏.‏ فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم ‏:‏ خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم ، فلا حاجة لنا إلى قتالكم ‏.‏
ولكن أين هذه المحاولة أمام الإيمان الذي لا تقوم له الجبال ، فقد رد عليه الأنصار رداً عنيفاً ، وأسمعوه ما يكره ‏.‏
واقتربت ساعة الصفر ، وتدانت الفئتان ، فقامت قريش بمحاولة أخرى لنفس الغرض ، فقد خرج إلى الأنصار عميل خائن يسمي أبا عامر الفاسق ـ واسمه عبد عمرو ابن صَيفِي ، وكان يسمي الراهب ، فسماه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الفاسق ، وكان رأس الأوس في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام شَرِق به ، وجاهر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالعداوة ، فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ويحضهم على قتاله ، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، ومالوا معه ـ فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعُبْدَان أهل مكة ‏.‏
فناد قومه وتعرف عليهم ، وقال ‏:‏ يا معشر الأوس ، أنا أبو عامر‏ .‏ فقالوا ‏:‏ لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ‏.‏ فقال‏ :‏ لقد أصاب قومي بعدي شر ‏.‏ ( ولما بدأ القتال قاتلهم قتالاً شديداً وراضخهم بالحجارة‏ ) .‏
وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل الإيمان ‏.‏ ويدل عملهم هذا على ما كان يسيطر عليهم من خوف المسلمين وهيبتهم ، مع كثرتهم وتفوقهم في العدد والعدة‏ .‏
جهود نسوة قريش في التحميس

وقامت نسوة قريش بنصيبهن من المشاركة في المعركة ، تقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ، فكن يتجولن في الصفوف ، ويضربن بالدفوف ، يستنهضن الرجال ، ويحرضن على القتال ، ويثرن حفائظ الأبطال ، ويحركن مشاعر أهل الطعان والضراب والنضال ، فتارة يخاطبن أهل اللواء فيقلن ‏:‏
وَيْها بني عبد الدار

ويها حُمَاة الأدبار

ضـرباً بكـل بتـــار

وتارة يأززن قومهن على القتال وينشدن‏ :‏
إن تُـقْبلُـوا نُعَانـِــق
أو تُـدْبِـرُوا نُفـَــارِق

ونَفــْرِشُ النمــارق
فــراق غيـر وَامـِق

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
almohammdih
منتديات المحمدية
منتديات المحمدية
avatar

ذكر عدد المساهمات : 922
نقاط : 2354
تاريخ التسجيل : 14/01/2010

مُساهمةموضوع: الجرء الثانى من غزوه احد   الأربعاء فبراير 03, 2010 2:53 am

أول وقود المعركة

وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان ، وآنت مرحلة القتال ، وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري ، وكان من أشجع فرسان قريش ، يسميه المسلمون كبش الكتيبة ‏.‏
خرج وهو راكب على جمل يدعو إلى المبارزة ، فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته ، ولكن تقدم إليه الزبير ولم يمهله ، بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله ، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه ‏.‏
ورأى النبي(صلى الله عليه وسلم) هذا الصراع الرائع فكبر ، وكبر المسلمون وأثنى على الزبير ، وقال في حقه ‏:‏ ‏" ‏إن لكل نبي حوارياً ، وحواريي الزبير‏ "‏ ‏.‏

ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته

ثم اندلعت نيران المعركة ، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان ، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين ، فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائدهم طلحة بن أبي طلحة ، فحمله أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ، وتقدم للقتال وهو يقول ‏:‏
إنَّ على أهْل اللوَاء حقــاً

أن تُخْضَبَ الصَّعْدَة أو تَنْدَقَّا

فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه ، حتى وصلت إلى سرته ، فبانت رئته ‏.‏
ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة ، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته ، فأُدْلِعَ لسانُهُ ومات لحينه ‏.‏ وقيل ‏:‏ بل خرج أبو سعد يدعو إلى البراز ، فتقدم إليه على بن أبي طالب ، فاختلفا ضربتين ، فضربه علي فقتله ‏.‏
ثم رفع اللواء مُسَافع بن طلحة بن أبي طلحة ، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفْلَح بسهم فقتله ، فحمل اللواء بعده أخوه كِلاَب بن طلحة بن أبي طلحة ، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله ، ثم حمل اللواء أخوهما الجُلاَس بن طلحة بن أبي طلحة ، فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته ‏.‏
وقيل‏ :‏ بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح بسهم فقضي عليه ‏.‏
هؤلاء ستة نفر من بيت واحد ، بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار ، قتلوا جميعاً حول لواء المشركين ، ثم حمله من بني عبد الدار أرطاة بن شُرَحْبِيل ، فقتله على بن أبي طالب ، وقيل‏ :‏ حمزة بن عبد المطلب ، ثم حمله شُرَيح بن قارظ فقتله قُزْمَان ـ وكان منافقاً قاتل مع المسلمين حمية ، لا عن الإسلام ـ ثم حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري ، فقتله قزمان أيضاً ، ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضاً ‏.‏
فهؤلاء عشرة من بني عبد الدار ـ من حمله اللواء ـ أبيدوا عن آخرهم ، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء ‏.‏ فتقدم غلام لـهم حبشي ـ اسمه صُوَاب ـ فحمل اللواء ، وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله ، فقد قاتل حتى قطعت يداه ، فبرك على اللواء بصدره وعنقه ، لئلا يسقط ، حتى قتل وهو يقول ‏:‏ اللّهم هل أعزرت ‏؟‏ يعني هل أعذرت ‏؟ ‏‏.‏
وبعد أن قتل هذا الغلام ـ صُواب ـ سقط اللواء على الأرض ، ولم يبق أحد يحمله ، فبقي ساقطاً ‏.
القتال في بقية النقاط

وبينما كان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين كان القتال المرير يجري في سائر نقاط المعركة ، وكانت روح الإيمان قد سادت صفوف المسلمين ، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تتقطع أمامه السدود ، وهم يقولون ‏:‏ ‏[‏ أمت ، أمت‏ ]‏ كان ذلك شعاراً لهم يوم أحد ‏.‏
أقبل أبو دُجَانة معلماً بعصابته الحمراء ، آخذاً بسيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، مصمماً على أداء حقه ، فقاتل حتى أمعن في الناس ، وجعل لا يلقي مشركاً إلا قتله ، وأخذ يهد صفوف المشركين هدّا ‏.
‏قال الزبير بن العوام ‏:‏ وجدت في نفسي حين سألت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) السيف فمنعنيه ، وأعطاه أبا دجانة ، وقلت ـ أي في نفسي ‏:‏ أنا ابن صفية عمته ، ومن قريش ، وقد قمت إليه ، فسألته إياه قبله فآتاه إياه وتركني ، والله لأنظرن ما يصنع ‏؟‏ فاتبعته ، فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار ‏:‏ أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، فخرج وهو يقول ‏:‏
أنا الذي عاهـدني خليلي ** ونحـن بالسَّفْح لدى النَّخِيل
ألا أقوم الدَّهْرَ في الكَيول ** أضْرِبْ بسَيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله ، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا ذَفَّفَ عليه ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته ، فَعَضَّتْ بسيفه ، فضربه أبو دجانة فقتله ‏.‏
ثم أمعن أبو دجانة في هدِّ الصفوف ، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش ، وهو لا يدري بها‏ .‏
قال أبو دجانة‏ : ‏رأيت إنساناً يخْمِش الناس خمشاً شديداً ، فصمدت له ، فلما حملت عليه السيف ولَوْل َ، فإذا امرأة ، فأكرمت سيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن أضرب به امرأة ‏.‏
وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة‏ .‏ قال الزبير بن العوام‏ :‏ رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها ، فقلت ‏: ‏الله ورسوله أعلم ‏.‏
وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة ، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين يغامر مغامرة منقطعة النظير ، ينكشف عنه الأبطال كما تتطاير الأوراق أمام الرياح الهوجاء ، فبالإضافة إلى مشاركته الفعالة في إبادة حاملي لواء المشركين فعل الأفاعيل بأبطالهم الآخرين ، حتى صرع وهو في مقدمة المبرزين ، ولكن لا كما تصـرع الأبطال وجهاً لوجـه في ميدان القتـال ، وإنما كمـا يغتال الكرام في حلك الظـلام‏ .‏



مصرع أسد الله حمزة بن عبد المطلب

يقول قاتل حمزة وحْشِي بن حرب‏ :‏ كنت غلاماً لجبير بن مُطْعِم ، وكان عمه طُعَيمَة بن عدي قد أصيب يوم بدر ، فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير ‏:‏ إنك إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق ‏.‏
قال ‏:‏ فخرجت مع الناس ـ وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئاً ـ فلما التقي الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأوْرَق ، يهُدُّ الناس هدّا ما يقوم له شيء ‏.‏ فوالله إني لأتهيأ له أريده ، فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سِبَاع بن عبد العزي ، فلما رآه حمزة قال له ‏:‏ هلم إلى يابن مُقَطِّعَة البُظُور ـ وكانت أمه ختانة ـ قال ‏:‏ فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه ‏.‏
قال ‏:‏ وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه ، فوقعت في ثُنَّتِه ـ أحشائه ـ حتى خرجت من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوي فَغُلِبَ ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم أتيته فأخذت حربتي ، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ، ولم يكن لي بغيره حاجة ، وإنما قتلته لأعتق ، فلما قدمت مكة عتقت ‏.‏


السيطرة على الموقف

وبرغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت المسلمين بقتل أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ، ظل المسلمون مسيطرين على الموقف كله ‏.‏
فقد قاتل يومئذ أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الله بن جحش ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وسعد بن الربيع ، وأنس بن النضر وأمثالهم قتالاً فَلَّ عزائم المشركين ، وفتَّ في أعضادهم‏ .‏


من أحضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرقة

وكان من الأبطال المغامرين يومئذ حَنْظَلة الغَسِيل ـ وهو حنظلة بن أبي عامر ، وأبو عامر هذا هو الراهب الذي سمي بالفاسق ، والذي مضي ذكره قريباً ـ كان حنظلة حديث عهد بالعُرْس ، فلما سمع هواتف الحرب وهو على امرأته انخلع من أحضانها ، وقام من فوره إلى الجهاد ، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال أخذ يشق الصفوف حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان صخر بن حرب ، وكاد يقضي عليه لولا أن أتاح الله له الشهادة ، فقد شد على أبي سفيان ، فلما استعلاه وتمكن منه رآه شداد بن الأسود فضربه حتى قتله‏ .‏


نصيب فصيلة الرماة في المعركة

وكانت للفصيلة التي عينها الرسول(صلى الله عليه وسلم) على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي ، فقد هجم فرسان مكة بقيادة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق ثلاث مرات ، ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر ، حتى يتسربوا إلى ظهور المسلمين ، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة ، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم الثلاث‏ .‏


الهزيمة تنزل بالمشركين

هكذا دارت رحى الحرب الزَّبُون ، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرًا على الموقف كله حتى خارت عزائم أبطال المشركين ، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف ، كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين ‏.‏
وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور ، وانكسرت همتها ـ حتى لم يجترئ أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط بعد مقتل صُؤاب فيحمله ليدور حوله القتال ـ فأخذت في الانسحاب ، ولجأت إلى الفرار ، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والانتقام ، وإعادة العز والمجد والوقار ‏.‏
قال ابن إسحاق‏ :‏ ثم أنزل الله نصره على المسلمين ، وصدقهم وعده ، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر ، وكانت الهزيمة لاشك فيها ‏.‏
روى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال‏ :‏ والله لقد رأيتني أنظر إلى خَدَم ـ سوق ـ هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ، ما دون أخذهن قليل ولا كثير ‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ .‏
وفي حديث البراء بن عازب عند البخاري في الصحيح ‏:‏ فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، يرفعن سوقهن قد بدت خلاخيلهن ‏.‏ وتبع المسلمون المشركين ، يضعون فيهم السلاح ، وينتهبون الغنائم‏ .‏

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
غلطة الرماة الفضيعة

وبينما كان الجيش الإسلامي الصغير يسجل مرة أخري نصراً ساحقاً على أهل مكة لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر ، وقعت من أغلبية فصيلة الرماة غلطة فظيعة قلبت الوضع تماماً ، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين ، وكادت تكون سبباً في مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وقد تركت أسوأ أثر على سمعتهم ، وعلى الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر ‏.‏
لقد أسلفنا نصوص الأوامر الشديدة التي أصدرها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى هؤلاء الرماة ، بلزومهم موقفهم من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة ، ولكن على رغم هذه الأوامر المشددة لما رأى هؤلاء الرماة أن المسلمين ينتهبون غنائم العدو غلبت عليهم أثارة من حب الدنيا ، فقال بعضهم لبعض ‏:‏ الغنيمة ، الغنيمة ، ظهر أصحابكم ، فما تنتظرون ‏؟‏
أما قائدهم عبد الله بن جبير ، فقد ذكرهم أوامر الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، وقال ‏:‏ أنسيتم ما قال لكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏؟‏
ولكن الأغلبية الساحقة لم تلق لهذا التذكير بالاً ، وقالت ‏:‏ والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ‏.‏
ثـم غـادر أربعون رجلاً أو أكثر هؤلاء الرماة مواقعهم من الجبل ، والتحقوا بسَوَاد الجيش ليشاركـوه فـي جمع الغنائم ‏.‏
وهكذا خلت ظهور المسلمين ، ولم يبق فيها إلا ابن جبير وتسعة أو أقل من أصحابه والتزموا مواقفهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا ‏.‏


خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الإسلامي

وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية ، فكرَّ بسرعة خاطفة إلى جبل الرماة ليدور من خلفه إلى مؤخرة الجيش الإسلامي ، فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه إلا البعض الذين لحقوا بالمسلمين ، ثم انقض على المسلمين من خلفهم ، وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين ، وأسرعت امرأة منهم ـ وهي عمرة بنت علقمة الحارثية ـ فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب ، فالتف حوله المشركون ولاثوا به ، وتنادي بعضهم بعضاً ، حتى اجتمعوا على المسلمين ، وثبتوا للقتال ، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ، ووقعوا بين شِقَّي الرحى‏ .‏


موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق

وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حينئذ في مفرزة صغيرة ـ تسعة نفر من أصحابه ـ في مؤخرة المسلمين ، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين ، إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة ، فكان أمامه طريقان‏ :‏ إما أن ينجو ـ بالسرعة ـ بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون ، ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور ، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله ، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد ‏.‏
وهناك تجلت عبقرية الرسول(صلى الله عليه وسلم) وشجاعته المنقطعة النظير ، فقد رفع صوته ينادي أصحابه ‏:‏ ‏" عباد الله "‏، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون ، ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطراً بنفسه في هذا الظرف الدقيق ‏.‏
وفعلاً فقد علم به المشركون فخلصوا إليه ، قبل أن يصل إليه المسلمون .‏


تبدد المسلمين في الموقف

أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم ، فلم تكن تهمها إلا أنفسها ، فقد أخذت طريق الفرار ، وتركت ساحة القتال ، وهي لا تدري ماذا وراءها ‏؟‏ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها ، وانطلق بعضهم إلى ما فوق الجبل ‏.‏
ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين ، والتبس العسكران فلم يتميزا ، فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض ‏.‏
روى البخاري عن عائشة قالت ‏:‏ لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة ، فصاح إبليس ‏:‏ أي عباد الله أخراكم ـ أي احترزوا من ورائكم ـ فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة ، فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال ‏:‏ أي عباد الله أبي أبي ‏.‏ قالت ‏:‏ فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه ، فقال حذيفة ‏:‏ يغفر الله لكم ‏.‏ قال عروة ‏:‏ فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ‏.‏
وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى ، وتاه منها الكثيرون ، لا يدرون أين يتوجهون ، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحاً يصيح ‏:‏ إن محمداً قد قتل ، فطارت بقية صوابهم ، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها ، فتوقف من توقف منهم عن القتال ، وألقى بأسلحته مستكيناً ، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي ـ رأس المنافقين ـ ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان ‏. ‏ومر بهؤلاء أنس بن النضر ، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال ‏:‏ ما تنتظرون ‏؟‏ فقالوا ‏:‏ قتل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، قال ‏:‏ ما تصنعون بالحياة بعده ‏؟‏ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم قال‏ :‏ اللّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المسلمين ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين ، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ ، فقال ‏:‏ أين يا أبا عمر ‏؟‏ فقال أنس ‏:‏ واها لريح الجنة يا سعد ، إني أجده دون أحد ، ثم مضي فقاتل القوم حتى قتل ، فما عرف حتى عرفته أخته ـ بعد نهاية المعركة ـ ببنانه ، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ‏.‏
ونادى ثابت بن الدَحْدَاح قومه فقال ‏:‏ يا معشر الأنصار ، إن كان محمد قد قتل ، فإن الله حي لا يموت ، قاتلوا على دينكم ، فإن الله مظفركم وناصركم ‏.‏ فنهض إليه نفر من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد فما زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح ، وقتل أصحابه ‏.‏
ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار ، وهو يتَشَحَّطُ في دمه ، فقال ‏:‏ يا فلان ، أشعرت أن محمداً قد قتل ‏؟‏ فقال الأنصاري‏ :‏ إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ ، فقاتلوا عن دينكم ‏.‏
وبمثل هذا الاستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية ، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم ، فعدلوا عن فكرة الاستسلام أو الاتصال بابن أبي ، وأخذوا سلاحهم ، يهاجمون تيارات المشركين ، وهم يحاولون شق الطريق إلى مقر القيادة ، وقد بلغهم أن خبر مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) كذب مُخْتَلَق ، فزادهم ذلك قوة على قوتهم ، فنجحوا في الإفلات عن التطويق ، وفي التجمع حول مركز منيع ، بعد أن باشروا القتال المرير ، وجالدوا بضراوة بالغة‏ .‏
وكانت هناك طائفة ثالثة لم يكن يهمهم إلا رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ .‏
فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وعمل التطويق في بدايته ، وفى مقدمة هؤلاء أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ كانوا في مقدمة المقاتلين ، فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ـ عليه الصلاة والسلام والتحية ـ صاروا في مقدمة المدافعين ‏.‏


احتدام القتال حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم)

وبينما كانت تلك الطوائف تتلقي أواصر التطويق ، وتطحن بين شِقَّي رحى المشركين ، كان العراك محتدماً حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد ذكرنا أن المشركين لما بدءوا عمل التطويق لم يكن مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلا تسعة نفر ، فلما نادي المسلمين ‏:‏ ‏" ‏هلموا إلي ، أنا رسول الله "‏، سمع صوته المشركون وعرفوه ، فكروا إليه وهاجموه ، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين ، فجري بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة ‏.‏
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال ‏:‏ ‏" ‏من يردهم عنا وله الجنة ‏؟‏ أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏ "فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضاً فقال ‏:‏ "‏من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة ‏؟‏‏ "‏ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لصاحبيه ـ أي القرشيين ‏:‏ "‏ما أنصفنا أصحابنا‏ "‏.‏
وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السَّكَن ، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط ‏.‏



أحرج ساعة في حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم)

وبعد سقوط بن السكن بقي الرسول في القرشيين فقط ، ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال ‏:‏ لم يبق مع النبي(صلى الله عليه وسلم) في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة ابن عبيد الله وسعد ـ بن أبي وقاص ـ وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين ، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة ، فقد ركزوا حملتهم على النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وطمعوا في القضاء عليه ، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه ، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى ، وكُلِمَتْ شفته السفلى ، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته ، وجاء فارس عنيد هو عبد الله بن قَمِئَة ، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين ، ثم ضرب على وجنته(صلى الله عليه وسلم) ضربة أخرى عنيفة كالأولى حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه ، وقال‏ :‏ خذها وأنا ابن قمئة ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يمسح الدم عن وجهة‏ :‏ ‏" أقمأك الله‏ "‏ ‏.‏
وفي الصحيح أنه(صلى الله عليه وسلم) كسرت رَبَاعِيَته ، وشُجَّ في رأسه ، فجعل يَسْلُتُ الدم عنه ويقول ‏:‏ "‏كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله "‏، فأنزل الله عز وجل‏ :‏ ‏" ‏لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏128‏]‏ ‏.‏
وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ ‏:‏ ‏" ‏اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله‏ "‏، ثم مكث ساعة ثم قال ‏:‏ "‏اللّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون "‏ ، وفي صحيح مسلم أنه قال‏ : "‏رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون‏ "‏ ، وفي الشفاء للقاضي عياض أنه قال‏ :‏ "‏اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون‏ "‏‏.‏

ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة ، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير ، حتى لم يتركا ـ وهما اثنان فحسب ـ سبيلا ً إلى نجاح المشركين في هدفهم ، وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
فأما سعد بن أبي وقاص ، فقد نثل له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كنانته وقال‏ : "‏ارم فداك أبي وأمي "‏ ‏.‏ ويدل على مدى كفاءته أن النبي (صلى الله عليه وسلم)لم يجمع أبويه لأحد غير سعد ‏.‏
وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تَجَمَّع المشركين حول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومعه نفر من الأنصار ، قال جابر ‏:‏ فأدرك المشركون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال ‏:‏ ‏( ‏من للقوم ‏؟ ‏‏)‏ فقال طلحة ‏:‏ أنا ، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار ، وقتلهم واحداً بعد واحد ، بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم ، فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة ‏.‏ قال جابر ‏:‏ ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه ، فقال ‏:‏ حَسِّ ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏" ‏لو قلت‏:‏ بسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون‏ "‏، قال ‏:‏ ثم رد الله المشركين ‏.‏
ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعاً وثلاثين أو خمساً وثلاثين ، وشلت إصبعه ، أي السبابة والتي تليها ‏.‏
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال ‏:‏ رأيت يد طلحة شلاء ، وقى بها النبي(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد‏ .‏
وروى الترمذي أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال فيه يومئذ‏ :‏ "‏من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله‏ "‏ ‏.‏
وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت ‏:‏ كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال ‏:‏ ذلك اليوم كله لطلحة‏ .‏
وقال فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضاً‏ :‏
يا طلحة بن عبيد الله قد وَجَبَتْ

لك الجنان وبُوِّئتَ المَهَا العِينَا

وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب ، ففي الصحيحين عن سعد ، قال ‏:‏ رأيت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض كأشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد ‏.‏ وفي رواية‏ :‏ يعني جبريل وميكائيل ‏.‏


بداية تجمع الصحابة حول الرسول(صلى الله عليه وسلم)

وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة ، وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته(صلى الله عليه وسلم) ـ الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال ـ لم يكادوا يرون تغير الموقف ، أو يسمعوا صوته(صلى الله عليه وسلم) حتى أسرعوا إليه ، لئلا يصل إليه شيء يكرهونه ، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ما لقي من الجراحات ـ وستة من الأنصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات ، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح ـ فلما وصلوا أقاموا حوله سياجاً من أجسادهم وسلاحهم ، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ، ورد هجماته ‏.‏ وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق رضي الله عنه ‏.‏
روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت ‏:‏ قال أبو بكر الصديق ‏:‏ لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فكنت أول من فاء إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فرأيت بين يديه رجلاً يقاتل عنه ويحميه ، قلت ‏:‏ كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، ‏[‏ حيث فاتني ما فاتني ، فقلت ‏:‏ يكون رجل من قومي أحب إلي ‏]‏ فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح ، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني ، فدفعنا إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فإذا طلحة بين يديه صريعاً ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏دونكم أخـاكم فقـد أوجب "‏، وقد رمي النبي(صلى الله عليه وسلم) في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته ، فذهبت لأنزعهما عن النبي(صلى الله عليه وسلم) فقال أبو عبيدة‏ :‏ نشدتك بالله يا أبا بكر ، إلا تركتني ، قال‏:‏ فأخذ بفيه فجعل ينَضِّـضه كراهية أن يؤذي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم استل السهم بفيه ، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة ، قال أبو بكر ‏:‏ ثم ذهبت لآخذ الآخر ، فقال أبو عبيدة‏ :‏ نشدتك بالله يا أبا بكر ، إلا تركتني ، قال ‏: ‏فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه ، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى ، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏: "‏دونكم أخاكم، فقد أوجب "‏، قال ‏:‏ فأقبلنا على طلحة نعالجه ، وقد أصابته بضع عشرة ضربة ‏.‏ وفي تهذيب تاريخ دمشق ‏:‏ فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر ، بين طعنة ورمية وضربة ، وإذا قد قطعت إصبعه ، فأصلحنا من شأنه ‏.‏
وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي(صلى الله عليه وسلم) عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دُجَانة ، ومصعب بن عمير ، وعلى بن أبي طالب ، وسهل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، وأم عمارة نُسَيْبة بنت كعب المازنية ، وقتادة ابن النعمان ، وعمر بن الخطاب ، وحاطب بن أبي بلتعة ، وأبو طلحة ‏.‏


تضاعف ضغط المشركين

كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن ، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين ، حتى سقط رسول الله (صلى الله عليه وسلم)في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها ، فجُحِشَتْ ركبته ، وأخذه علي بيده ، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوي قائماً ، وقال نافع بن جبير‏ :‏ سمعت رجلاً من المهاجرين يقول ‏:‏ شهدت أحداً فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ‏ :‏ دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى جنبه ، ما معه أحد ، ثم جاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان ، فقال ‏:‏ والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع ، خرجنا أربعة ، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله ، فلم نخلص إلى ذلك ‏.‏

البطولات النادرة

وقام المسلمون ببطولات نادرة وتضحيات رائعة ، لم يعرف لها التاريخ نظيراً ‏.‏
كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ويرفع صدره ليقيه سهام العدو ‏.‏
قال أنس‏ :‏ لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفة له ، وكان رجلاً رامياً شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه بجَعْبَة من النبل فيقول ‏:‏ ‏( ‏انثرها لأبي طلحة‏ )‏ ، قال ‏:‏ ويشرف النبي (صلى الله عليه وسلم)ينظر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة ‏:‏ بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم ، نَحْرِي دون نحرك ‏.‏
وعنه أيضاً قال ‏:‏ كان أبو طلحة يتترس مع النبي(صلى الله عليه وسلم) بترس واحد ، وكان أبو طلحة حسن الرَّمْي ، فكان إذا رمي تشرف النبي (صلى الله عليه وسلم)، فينظر إلى موقع نبله ‏.‏
وقام أبو دجانة أمام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فَتَرَّسَ عليه بظهره‏ ،‏ والنبل يقع عليه وهو لا يتحرك‏ .‏
وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص ـ الذي كسر الرَّباعية الشريفة ـ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه ، ثم أخذ فرسه وسيفه ، وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه ـ عتبة هذا ـ إلا أنه لم يظفر به ، بل ظفر به حاطب‏ .‏
وكان سهل بن حُنَيف أحد الرماة الأبطال ، بايع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الموت ، ثم قام بدور فعال في ذود المشركين ‏.‏
وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يباشر الرماية بنفسه ، فعن قتادة بن النعمان ‏:‏ أن رسول الله رمى عن قوسه حتى اندقت سِيتُها ، فأخذها قتادة بن النعمان ، فكانت عنده ، وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على وَجْنَتِه ، فردها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بيده ، فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهُما‏ .‏
وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهُتِمَ ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في رجله فعرج‏ .‏
وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته(صلى الله عليه وسلم) حتى أنقاه ، فقال ‏:‏ ‏( ‏مُجَّه ‏) ‏، فقال ‏:‏ والله لا أمجه ، ثم أدبر يقاتل ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا "‏، فقتل شهيداً‏ .‏
وقاتلت أم عمارة فاعترضت لابن قَمِئَة في أناس من المسلمين ، فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحاً أجوف ، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها ، لكن كانت عليه درعان فنجا ، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحاً‏ .‏
وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة ، يدافع عن النبي(صلى الله عليه وسلم) هجوم ابن قمئة وأصحابه ، وكان اللواء بيده ، فضربوه على يده اليمني حتى قطعت ، فأخذ اللواء بيده اليسرى ، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى ، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل ، وكان الذي قتله هو ابن قمئة ، وهو يظنه رسول الله ـ لشبهه به ـ فانصرف ابن قمئة إلى المشركين ، وصاح ‏:‏ إن محمداً قد قتل ‏.‏

إشاعة مقتل النبي (صلى الله عليه وسلم)

ولم يمض على هذا الصياح دقائق ، حتى شاع خبر مقتل النبي(صلى الله عليه وسلم) في المشركين والمسلمين‏ .‏
وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين ، الذين لم يكونوا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وانهارت معنوياتهم ، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد ، وعمتها الفوضى والاضطراب ، إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين ، لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم ، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين ‏.‏


الرسول(صلى الله عليه وسلم) يواصل المعركة وينقذ الموقف

ولما قتل مصعب أعطي رسول الله اللواء على بن أبي طالب ، فقاتل قتالاً شديداً ، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة ، يقاتلون ويدافعون ‏.‏
وحينئذ استطاع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق ، فأقبل إليهم فعرفه كعب بن مالك ـ وكان أول من عرفه ـ فنادي بأعلى صوته ‏:‏ يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأشار إليه أن اصمت ـ وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون ـ إلا أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين ، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله حوالى ثلاثين رجلاً من الصحابة ‏.‏
وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل ، وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين ، واشتد المشركون في هجومهم ، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام ‏.‏
تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة ـ أحد فرسان المشركين ـ إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يقول‏ :‏ لا نجوت إن نجا‏ .‏ وقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لمواجهته ، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر ، فنازله الحارث بن الصِّمَّة ، فضرب على رجله فأقعده ، ثم ذَفَّفَ عليه وأخذ سلاحه ، والتحق برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
وعطف عبد الله بن جابر ـ فارس آخر من فرسان مكة ـ على الحارث بن الصِّمَّة ، فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون ولكن انقض أبو دجانة ـ البطل المغامر ذو العصابة الحمراء ـ على عبد الله بن جابر فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه ‏.‏
وأثناء هذا القتال المرير كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله ، كما تحدث عنه القرآن ‏.‏ قال أبو طلحة ‏:‏ كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً ، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه ‏.‏
وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة ـ في انسحاب منظم ـ إلى شعب الجبل ، وشق لبقية الجيش طريقاً إلى هذا المقام المأمون ، فتلاحق به في الجبل ، وفشلت عبقرية خالد أمام عبقرية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏


مقتل أبي بن خلف

قال ابن إسحاق‏ :‏ فلما أسند رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول ‏:‏ أين محمد ‏؟‏ لا نجوتُ إن نجا ‏.‏ فقال القوم ‏:‏ يا رسول الله ، أيعطف عليه رجل منا ‏؟‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم)‏ : ‏‏( ‏دعوه ‏)‏ ، فلما دنا منه تناول رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الحربة من الحارث بن الصمة ، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم استقبله وأبصر تَرْقُوَتَه من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة ، فطعنه فيها طعنة تدأدأ ـ تدحرج ـ منها عن فرسه مراراً‏ .‏ فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدم ، قال ‏:‏ قتلني والله محمد ، قالوا له‏:‏ ذهب والله فؤادك ، والله إن بك من بأس ، قال ‏:‏ إنه قد كان قال لي بمكة‏ : ‏‏( ‏أنا أقتلك‏ )‏ ، فوالله لو بصق على لقتلني ‏.‏ فمات عدو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة ‏.
‏وفي رواية أبي الأسود عن عروة ، وكذا في رواية سعيد بن المسيب عن أبيه ‏:‏ أنه كان يخور خوار الثور ، ويقول‏ :‏ والذي نفسي بيده ، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا جميعاً ‏.‏


طلحة ينهض بالنبي(صلى الله عليه وسلم)

وفي أثناء انسحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل ، فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع ، لأنه كان قد بَدَّنَ وظاهر بين الدرعين ، وقد أصابه جرح شديد‏ . ‏فجلس تحته طلحة بن عبيد الله ، فنهض به حتى استوي عليها ، وقال ‏:‏ ‏(‏ أوْجَبَ طلحةُ ‏)‏ ، أي ‏: ‏الجنة‏ .‏


آخر هجوم قام به المشركون

ولما تمكن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين‏ .‏
قال ابن إسحاق ‏:‏ بينا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل ـ يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد ـ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏اللّهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا‏ "‏ ، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ‏.‏
وفي مغازي الأموي ‏:‏ أن المشركين صعدوا على الجبل ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لسعد ‏: ‏‏( ‏اجْنُبْهُمْ ‏)‏ ـ يقول ‏:‏ ارددهم ـ فقال ‏:‏ كيف أجْنُبُهُمْ وحدي ‏؟‏ فقال ذلك ثلاثاً ، فأخذ سعد سهماً من كنانته ، فرمي به رجلاً فقتله ، قال‏ :‏ ثم أخذت سهمي أعرفه ، فرميت به آخر، فقتلته ، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته ، فهبطوا من مكانهم ، فقلت ‏:‏ هذا سهم مبارك ، فجعلته في كنانتي‏ .‏ فكان عند سعد حتى مات ، ثم كان عند بنيه ‏.‏

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
تشويه الشهداء

وكان هذا آخر هجوم قام به المشركون ضد النبي(صلى الله عليه وسلم)، ولما لم يكونوا يعرفون من مصيره شيئاً ـ بل كانوا على شبه اليقين من قتله ـ رجعوا إلى مقرهم ، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة ، واشتغل من اشتغل منهم ـ وكذا اشتغلت نساؤهم ـ بقتلي المسلمين ، يمثلون بهم ، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج ، ويبقرون البطون ‏.‏ وبقرت هند بنت عتبة كبد حمزة فلاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ، واتخذت من الآذان والأنوف خَدَماً ـ خلاخيل ـ وقلائد


مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة

وفي هذه الساعة الأخيرة وقعت وقعتان تدلان على مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال ، ومدى استماتتهم في سبيل الله ‏:‏
1‏.‏ قال كعب بن مالك ‏:‏ كنت فيمن خرج من المسلمين ، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت ، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة يجوز المسلمين وهو يقول ‏:‏ استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم‏ .‏ وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته ، فمضيت حتى كنت من ورائه ، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري ، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة ، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين ، ثم كشف المسلم عن وجهه ، وقال ‏:‏ كيف ترى يا كعب ‏؟‏ أنا أبو دجانة ‏.‏
2‏.‏ جاءت نسوة من المؤمنين إلى ساحة القتال بعد نهاية المعركة ، قال أنس :‏ لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم ، وإنهما لمشمرتان ـ أرى خَدَم سوقهما ـ تَنْقُزَانِ القِرَبَ على متونهما ، تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنها ، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ‏.‏ وقال عمر ‏:‏ كانت ‏[ ‏أم سَلِيط من نساء الأنصار ‏]‏ تزفر لنا القرب يوم أحد ‏.‏
وكانت في هؤلاء النسوة أم أيمن ، لما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة ، أخذت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم‏ :‏ هاك المغزل ، وهلم سيفك ‏.‏ ثم سارعت إلى ساحة القتال ، فأخذت تسقي الجرحى ، فرماها حِبَّان ـ بالكسر ـ بن العَرَقَة بسهم ، فوقعت وتكشفت ، فأغرق عدو الله في الضحك ، فشق ذلك على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فدفع إلى سعد بن بي وقاص سهماً لا نصل له ، وقال ‏: ‏‏( ‏ارم به ‏)‏ ، فرمى به سعد ، فوقع السهم في نحر حبان ، فوقع مستلقياً حتى تكشف ، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى بدت نواجذه ، ثم قال :‏ ‏( ‏استقاد لها سعد ، أجاب الله دعوته ‏)‏ ‏.‏
بعد إنتهاء الرسول (صلى الله عليه وسلم)إلى الشعب

ولما استقر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مقره من الشِّعب خرج على أبي طالب حتى ملأ دَرَقَته ماء من المِهْرَاس ـ قيل ‏:‏ هو صخرة منقورة تسع كثيراً ‏.‏ وقيل ‏:‏ اسم ماء بأحد ـ فجاء به إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليشرب منه ، فوجد له ريحاً فعافه ، فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدم ، وصب على رأسه وهو يقول ‏:‏ "‏اشتد غضب الله على من دَمَّى وجه نبيه‏ "‏ ‏.‏
وقال سهل ‏:‏ والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ومن كان يسكب الماء ، وبما دُووِي ‏؟‏ كانت فاطمة ابنته تغسله ، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمِجَنِّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير ، فأحرقتها ، فألصقتها فاستمسك الدم‏ .‏
وجاء محمد بن مسلمة بماء عذب سائغ ، فشرب منه النبي(صلى الله عليه وسلم) ودعا له بخير ، وصلى الظهر قاعداً من أثر الجراح ، وصلى المسلمون خلفه قعوداً .


شماتة أبي سفيان

ولما تكامل تهيؤ المشركين للانـصراف أشـرف أبو سفـيان على الجبل ، فـنادي أفيكم محمد ‏؟‏ فلم يجيبوه ‏.‏ فقال ‏:‏ أفيكم ابن أبي قحافة ‏؟‏ فلم يجبيبوه‏ .‏ فقال ‏:‏ أفيكم عمر بن الخطاب‏ ؟‏ فلم يجيبوه ـ وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) منعهم من الإجابة ـ ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم ‏.‏ فقال‏ :‏ أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال ‏:‏ يا عدو الله ، إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله ما يسوءك ‏.‏
فقال ‏:‏ قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ‏.
ثم قال ‏:‏ أعْلِ هُبَل‏.‏
فقال النبي(صلى الله عليه وسلم)‏:‏ ‏(‏ ألا تجيبونه ‏؟ ‏‏)‏ فقالوا ‏: ‏فما نقول‏ ؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏قولوا ‏:‏ الله أعلى وأجل‏ ) ‏‏.‏
ثم قال‏ :‏ لنا العُزَّى ولا عزى لكم ‏.‏
فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏ألا تجيبونه ‏؟ ‏‏)‏ قالوا ‏:‏ ما نقول ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏قولوا ‏: ‏الله مولانا ، ولا مولي لكم‏ )‏ ‏.‏
ثم قال أبو سفيان ‏:‏ أنْعَمْتَ فَعَال ، يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال ‏.‏
فأجابه عمر ، وقال ‏:‏ لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار‏ .‏
ثم قال أبو سفيان‏ :‏ هلم إلى يا عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏ائته فانظر ما شأنه ‏؟ ‏‏)‏ فجاءه ،
فقال له أبو سفيان ‏:‏ أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً‏ ؟‏ قال عمر ‏:‏ اللّهم لا‏ .‏ وإنه ليستمع كلامك الآن ‏.‏ قال ‏:‏ أنت أصدق عندي من ابن قَمِئَة وأبر ‏.
مواعدة التلاقي في بدر

قال ابن إسحاق‏:‏ ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى ‏:‏ إن موعدكم بدر العام القابل ‏.
‏فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لرجل من أصحابه ‏:‏ ‏(‏ قل‏ :‏ نعم ، هو بيننا وبينك موعد‏ )‏‏ .‏

التثبت من موقف المشركين

ثم بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) علي بن أبي طالب ، فقال‏ :‏ "‏اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون‏ ؟‏ وما يريدون ‏؟‏ فإن كانوا قد جَنَبُوا الخيل ، وامْتَطُوا الإبل ، فإنهم يريدون مكة ، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة‏ ،‏ والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ، ثم لأناجزنهم "‏‏.‏ قال علي ‏:‏ فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون ، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، ووَجَّهُوا إلى مكة ‏.‏
تفقد القتلى والجرحى

وفرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش ‏.‏ قال زيد بن ثابت‏ :‏ بعثني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم أحد أطلب سعد بن الربيع ‏.‏ فقال لي ‏:‏ ‏( ‏إن رأيته فأقرئه مني السلام ، وقل له ‏:‏ يقول لك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ كيف تجدك ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ فجعلت أطوف بين القتلى ، فأتيته وهو بآخر رمق ، فيه سبعون ضربة ، ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، فقلت ‏:‏ يا سعد ، إن رسول الله يقرأ عليك السلام ، ويقول لك ‏:‏ أخ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almohammdih.akbarmontada.com
almohammdih
منتديات المحمدية
منتديات المحمدية
avatar

ذكر عدد المساهمات : 922
نقاط : 2354
تاريخ التسجيل : 14/01/2010

مُساهمةموضوع: السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب   الأربعاء فبراير 03, 2010 2:56 am



<TABLE class=MsoNormalTable dir=rtl style="BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-table-dir: bidi" cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="PADDING-RIGHT: 0cm; PADDING-LEFT: 0cm; BORDER-LEFT-COLOR: #fefefe; BORDER-BOTTOM-COLOR: #fefefe; PADDING-BOTTOM: 0cm; WIDTH: 100%; BORDER-TOP-COLOR: #fefefe; PADDING-TOP: 0cm; BACKGROUND-COLOR: transparent; BORDER-RIGHT-COLOR: #fefefe" width="100%">

<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>


<TR>
<td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</TD></TR></TABLE>
</TD></TR></TABLE>


<TABLE class=MsoNormalTable dir=rtl style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 40%; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-table-dir: bidi; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width="40%" border=1>


<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
</TD></TR></TABLE>
كان لمأساة أحد أثر سيئ على سمعة المؤمنين ، فقد ذهبت ريحهم ، وزالت هيبتهم عن النفوس ، وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب ، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر ، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين ، بل طمعت في أن تقضي عليهم وتستأصل شأفتهم‏ .‏
فلم يمض على هذه المعركة شهران حتى تهيأت بنو أسد للإغارة على المدينة ‏.‏ ثم قامت قبائل عَضَل وقَارَة في شهر صفر سنة 4هـ بمكيدة تسببت في قتل عشرة من الصحابة ، وفي نفس الشهر نفسه قام عامر بن الطُّفَيل العامري بتحريض بعض القبائل حتى قتلوا سبعين من الصحابة ، وتعرف هذه الوقعة بوقعة بئر مَعُونَة ، ولم تزل بنو نضير خلال هذه المدة تجاهر بالعداوة حتى قامت في ربيع الأول سنة 4 هـ بمكيدة تهدف إلى قتل النبي(صلى الله عليه وسلم)، وتجرأت بنو غَطَفَان حتى همت بالغزو على المدينة في جمادي الأولي سنة 4 هـ ‏.‏

فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين ـ إلى حين ـ يهددون بالأخطار ، ولكن تلك هي حكمة محمد



(صلى الله عليه وسلم) التي صرفت وجوه التيارات ، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة ، وأكسبتهم العلو والمجد من جديد‏ .‏ وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطاردة التي قام بها إلى حمراء الأسد ، فقد حفظ بها قدراً من سمعة جيشه ، واستعاد بها من مكانته شيئاً مذكوراً ، ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم ، بل زادت فيها ، وفي الصفحات الآتية شيء مما جرى بين الطرفين


السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب

أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة ، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

فسارع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلاً من المهاجرين والأنصار ، وأمر عليهم أبا سلمة ، وعقد له لواء ‏.‏ وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم ، فتشتتوا في الأمر ، وأصاب المسلمون إبلا وشاء لهم فاستاقوها ، وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حرباً‏ .‏

كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة 4 هـ‏ .‏

وعاد أبو سلمة وقد نفر عليه جرح كان قد أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات ‏.‏




<TABLE class=MsoNormalTable dir=rtl style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 29.38%; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-table-dir: bidi; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width="29%" border=1>


<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">[center]بعث عبد الله بن أنيس
</TD></TR></TABLE>

وفي اليوم الخامس من نفس الشهر ـ المحرم سنة 4 هـ ـ نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين ، فأرسل إليه النبي(صلى الله عليه وسلم) عبد الله ابن أنيس ليقضي عليه‏ .‏

وظل عبد الله بن أنيس غائباً عن المدينة ثماني عشرة ليلة ، ثم قدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم ، وقد قتل خالداً وجاء برأسه ، فوضعه بين يدي النبي(صلى الله عليه وسلم) فأعطاه عصا وقال‏ :‏ ‏" ‏هذه آية بيني وبينك يوم القيامة "‏، فلما حضرته الوفاة أوصي أن تجعل معه في أكفانه ‏.‏


بعث الرجيع
وفي شهر صفر من نفس السنة ـ أي الرابعة من الهجرة ـ قدم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قوم من عَضَل وقَارَة ، وذكروا أن فيهم إسلاماً ، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ، ويقرئهم القرآن ، فبعث معهم ستة نفر ـ في قول ابن إسحاق ، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة ـ وأمر عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوِي ـ في قول ابن إسحاق ، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب ـ فذهبوا معهم ، فلما كانوا بالرجيع ـ وهو ماء لهُذَيلِ بناحية الحجاز بين رَابِغ وجُدَّة ـ استصرخوا عليهم حياً من هذيل يقال لهم ‏:‏ بنو لَحْيَان ، فتبعوهم بقريب من مائة رام ، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم ، فأحاطوا بهم ـ وكانوا قد لجأوا إلى فَدْفَد ـ وقالوا ‏:‏ لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً‏ .‏ فأما عاصم فأبي من النزول وقاتلهم في أصحابه ، فقتل منهم سبعة بالنبل ، وبقي خُبَيب وزيد بن الدَّثِنَّةِ ورجل آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى ، فنزلوا إليهم ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قِسِيهم ، فقال الرجل الثالث ‏:‏ هذا أول الغدر ، وأبى أن يصحبهم ، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه ، وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة ، وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر ، فأما خبيب فمكث عندهم مسجوناً ، ثم أجمعوا على قتله ، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم ، فلما أجمعوا على صلبه قال ‏:‏ دعوني حتى أركع ركعتين ، فتركوه فصلاهما ، فلما سلم قال‏ :‏ والله لولا أن تقولوا ‏:‏ إن ما بي جزع لزدت ، ثم قال ‏: ‏اللّهم أحْصِهِمْ عَدَدًا ، واقتلهم بَدَدًا ، ولا تُبْقِ منهم أحداً ، ثم قال ‏:‏


لقـد أجمع الأحزاب حـولي وألبوا
وقد قربوا أبنـاءهـم ونسـاءهم
إلى الله أشـكـو غربي بعد كربتي
فذا الرش صبرني على ما يراد بي
وقد خيروني الكفـر والموت دونه
ولست أبالي حين أقتـل مسـلماً
وذلك في ذات الإله وإن يشــأ


قبـائـلهـم واستجمعوا كل مجمع
وقـربت من جـذع طـويل ممنـع
وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي
فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطعمي
فقد ذرفت عيـنـاي من غير مدمع
على أي شـق كان في الله مضجعي
يبـارك على أوصـال شـلو ممزع
فقال له أبو سفيان ‏:‏ أيسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه ، وأنك في أهلك ‏؟‏ فقال ‏:‏ لا والله ، ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه‏ .‏ ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته ، فجاء عمرو بن أمية الضمري ، فاحتمله بخدعة ليلاً ، فذهب به فدفنه ، وكان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث ، وكان خبيب قد قتل أباه حارثاً يوم بدر ‏.‏
وفي الصحيح أن خبيباً أول من سن الركعتين عند القتل، وأنه رئي وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب، وما بمكة ثمرة ‏.‏
وأما زيد بن الدَّثِنَّة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه‏ .‏
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه ـ وكان عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر ـ فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْر ـ الزنابير ـ فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء‏.‏ وكان عاصم أعطي الله عهداً ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً‏.‏ وكان عمر لما بلغه خبره يقول‏:‏ يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته ‏.‏

مأساة بئر معونة
وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرَّجِيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى ، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة‏.‏
وملخصها ‏:‏ أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بمُلاَعِب الأسِنَّة قدم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة ، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، لو بعثت أصحابك إلى أهل نَجْد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إني أخاف عليهم أهل نجد ‏) ‏، فقال أبو بََرَاء ‏:‏ أنا جَارٌ لهم ، فبعث معه أربعين رجلاً ـ في قول ابن إسحاق ، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين ، والذي في الصحيح هو الصحيح ـ وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمُعْنِقَ لِيمُوت ، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم ، فساروا يحتطبون بالنهار ، يشترون به الطعام لأهل الصفة ، ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل ، حتى نزلوا بئر معونة ـ وهي أرض بين بني عامر وحَرَّة بني سُلَيْم ـ فنزلوا هناك ، ثم بعثوا حرام بن مِلْحَان أخا أم سليم بكتاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيْل ، فلم ينظر فيه ، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه ، فلما أنفذها فيه ورأى الدم ، قال حرام ‏:‏ الله أكبر ، فُزْتُ ورب الكعبة ‏.‏
ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين ، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء ، فاستنفر بني سليم ، فأجابته عُصَيَّة ورِعْل وذَكَوان ، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار ، فإنه ارْتُثَّ من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق ‏.‏
وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة ، فنزل المنذر ، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه ، وأسر عمرو بن أمية الضمري ، فلما أخبر أنه من مُضَر جَزَّ عامر ناصيته ، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه ‏.‏
ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) حاملاً معه أنباء المصاب الفادح ، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين ، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد ، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح ، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة ‏.‏
ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقَرْقَرَة من صدر قناة ، نزل في ظل شجرة ، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه ، فلما ناما فتك بهما عمرو ، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه ، وإذا معهما عهد من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لم يشعر به ، فلما قدم أخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بما فعل ، فقال ‏: ‏‏( ‏لقد قتلت قتيلين لأدِيَنَّهما‏ )‏ ، وانشغل بجمع ديتهما من المسلمين ومن حلفائهم اليهود ، وهذا الذي صار سبباً لغزوة بني النضير ، كما سيذكر ‏.‏
وقد تألم النبي(صلى الله عليه وسلم) لأجل هذه المأساة ، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة ، تألما شديداً ، وتغلب عليه الحزن والقلق ، حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه ‏.‏ ففي الصحيح عن أنس قال ‏:‏ دعا النبي(صلى الله عليه وسلم) على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحاً ، يدعو في صلاة الفجر على رِعْل وذَكْوَان ولَحْيَان وعُصَية ، ويقول‏ :‏‏ ( ‏عُصَية عَصَتْ الله ورسوله‏ ) ‏، فأنزل الله تعالى على نبيه قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد ‏:‏ ‏(‏ بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ‏)‏ فترك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قُنُوتَه ‏.‏

غزوة بني النضير
قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتحرقون على الإسلام والمسلمين إلا أنهم لم يكونوا أصحاب حرب وضرب ، بل كانوا أصحاب دس ومؤامرة ، فكانوا يجاهرون بالحقد والعداوة ، ويختارون أنواعاً من الحيل ، لإيقاع الإيذاء بالمسلمين دون أن يقوموا للقتال مع ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق ، وأنهم بعد وقعة بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف خافوا على أنفسهم فاستكانوا والتزموا الهدوء والسكوت ‏.‏
ولكنهم بعد وقعة أحد تجرأوا ، فكاشفوا بالعداوة والغدر ، وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سراً ، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين ‏.‏
وصبر النبي(صلى الله عليه وسلم) حتى ازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعة الرَّجِيع وبئر مَعُونة ، حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
وبيان ذلك‏ :‏ أنه(صلى الله عليه وسلم) خرج إليهم في نفر من أصحابه ، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمْرِي ـ وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة ـ فقالوا ‏:‏ نفعل يا أبا القاسم ، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك ‏.‏ فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا ، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه‏ .‏
وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسوّل لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم ، فتآمروا بقتله(صلى الله عليه وسلم) ، وقالوا ‏:‏ أيكم يأخذ هذه الرحى ، ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها ‏ ؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش ‏:‏ أنا ‏.‏ فقال لهم سَلاَّم بن مِشْكَم‏ :‏ لا تفعلوا ، فوالله ليخبرن بما هممتم به ، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه ‏.‏ ولكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم ‏.‏
ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله(صلى الله عليه وسلم) يعلمه بما هموا به ، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة ، ولحقه أصحابه فقالوا ‏:‏ نهضت ولم نشعر بك ، فأخبرهم بما هَمَّتْ به يهود ‏.‏
وما لبث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم ‏:‏ ‏( ‏اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها ، وقد أجلتكم عشراً ، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه ‏) ‏‏.‏ ولم يجد يهود مناصاً من الخروج ، فأقاموا أياماً يتجهزون للرحيل ، بيد أن رئيس المنافقين ـ عبد الله بن أبي ـ بعث إليهم أن اثبتوا وتَمَنَّعُوا ، ولا تخرجوا من دياركم ، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم ، فيموتون دونكم ‏" ‏لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏ "‏ ‏[‏الحشر‏:‏11‏]‏ وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ‏.‏
وهناك عادت لليهود ثقتهم ، واستقر رأيهم على المناوأة ، وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله رأس المنافقين ، فبعث إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول ‏:‏ إنا لا نخرج من ديارنا ، فاصنع ما بدا لك‏ .‏
ولا شك أن الموقف كان حرجاً بالنسبة للمسلمين ، فإن اشتباكهم بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب ، وقد رأوا كَلَب العرب عليهم وفتكهم الشنيع ببعوثهم ، ثم إن يهود بني النضير كانوا على درجة من القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال ، وتجعل فرض القتال معهم محفوفاً بالمكاره ، إلا أن الحال التي جدت بعد مأساة بئر معونة وما قبلها زادت حساسية المسلمين بجرائم الاغتيال والغدر التي أخذوا يتعرضون لها جماعات وأفراداً ، وضاعفت نقمتهم على مقترفيها ، ومن ثم قرروا أن يقاتلوا بني النضير ـ بعد همهم باغتيال الرسول(صلى الله عليه وسلم) ـ مهما تكن النتائج ‏.‏
فلما بلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) جواب حيي بن أخطب كبر وكبر أصحابه ، ثم نهض لمناجزة القوم ، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وسار إليهم ، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء ، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار ‏.‏
والتجأ بنو النضير إلى حصونهم ، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم وبساتينهم عوناً لهم في ذلك ، فأمر بقطعها وتحريقها ، وفي ذلك يقول حسان‏ : ‏


وهان على سَرَاةِ بني لُؤي


حـريـق بالبُوَيْرَةِ مسـتطيـر
‏[‏البويرة ‏:‏ اسم لنخل بني النضير‏]‏
وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏" مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ‏ "‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 5‏]‏‏ .‏
واعتزلتهم قريظة ، وخانهم عبد الله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان ، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيراً ، أو يدفع عنهم شراً ، ولهذا شبه سبحانه وتعإلى قصتهم ، وجعل مثلهم ‏: "‏كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ‏ "‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 16‏]‏
ولم يطل الحصار ـ فقد دام ست ليال فقط ، وقيل ‏:‏ خمس عشرة ليلة ـ حتى قذف الله في قلوبهم الرعب ، فاندحروا وتهيأوا للاستسلام ولإلقاء السلاح ، فأرسلوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ نحن نخرج عن المدينة ‏.‏ فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم ، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح ‏.‏
فنزلوا على ذلك ، وخربوا بيوتهم بأيديهم ، ليحملوا الأبواب والشبابيك ، بل حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف ، ثم حملوا النساء والصبيان ، وتحملوا على ستمائة بعير ، فترحل أكثرهم وأكابرهم كحيي بن أخطب وسلاَّم بن أبي الحُقَيق إلى خيبر ، وذهبت طائفة منهم إلى الشام ، وأسلم منهم رجلان فقط ‏:‏ يامِينُ بن عمرو وأبو سعد بن وهب ، فأحرزا أموالهما ‏.‏
وقبض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سلاح بني النضير ، واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم ، فوجد من السلاح خمسين درعاً وخمسين بيضة ، وثلاثمائة وأربعين سيفاً ‏.‏
وكانت أموال بني النضير وأرضهم وديارهم خالصة لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، يضعها حيث يشاء ، ولم يخَمِّسْها لأن الله أفاءها عليه ، ولم يوجِف المسلمون عليها بِخَيلٍ ولا رِكاب ، فقسمها بين المهاجرين الأولين خاصة ، إلا أنه أعطى أبا دُجَانة وسهل بن حُنَيف الأنصاريين لفقرهما ‏.‏ وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُرَاع عدة في سبيل الله ‏.‏
كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة 4 من الهجرة، أغسطس 625م، وأنزل الله في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها ، فوصف طرد اليهود ، وفضح مسلك المنافقين ، وبين أحكام الفيء، وأثنى على المهاجرين والأنصار ، وبين جواز القطع والحرق في أرض العدو للمصالح الحربية ، وأن ذلك ليس من الفساد في الأرض ، وأوصى المؤمنين بالتزام التقوى والاستعداد للآخرة ، ثم ختمها بالثناء على نفسه وبيان أسمائه وصفاته ‏.‏
وكان ابن عباس يقول عن سورة الحشر ‏:‏ قل ‏:‏ سورة النضير ‏.‏
هذه خلاصة ما رواه ابن إسحاق وعامة أهل السير حول هذه الغزوة ‏.‏ وقد روى أبو داود وعبد الرزاق وغيرهما سبباً آخر حول هذه الغزوة ، وهو أنه لما كانت وقعة بدر فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود ‏:‏ إنكم أهل الحلقة والحصون ، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ، ولا يحول بيننا وبين خَدَم نسائكم شيء ـ وهو الخلاخيل ـ فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك ، ولنخرج في ثلاثين حبراً ، حتى نلتقي في مكان كذا ، نَصَفٌ بيننا وبينكم ، فيسمعوا منك ، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا ، فخرج النبي(صلى الله عليه وسلم) في ثلاثين من أصحابه ، وخرج إليه ثلاثون حبراً من يهود ، حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض ‏:‏ كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه ، كلهم يحب أن يموت قبله ، فأرسلوا إليه ‏:‏ كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلاً ‏؟‏ اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا ، فليسمعوا منك ، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك ، فخرج النبي(صلى الله عليه وسلم) في ثلاثة نفر من أصحابه واشتملوا ‏[ ‏أي اليهود ‏]‏ على الخناجر ، وأرادوا الفتك برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها ، وهو رجل مسلم من الأنصار ، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي(صلى الله عليه وسلم) إليهم ، فرجع النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالكتائب فحاصرهم ، وقال لهم ‏:‏ ‏( ‏إنكم لاتأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه ‏)‏ ، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون ، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب ، وترك بني النضير ، ودعاهم إلى أن يعاهدوه ، فعاهدوه ، فانصرف عنهم ، وغدا إلى بني النضير بالكتائب ، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحَلْقة ـ والحلْقة ‏:‏ السلاح ـ فجاءت بنو النضير واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها ، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها ، فيحملون ما وافقهم من خشبها ، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام ‏.‏



<TABLE class=MsoNormalTable dir=rtl style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 20%; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-table-dir: bidi; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width="20%" border=1>


<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">
غزوة نجد
</TD></TR></TABLE>


وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون ـ في غزوة بني النضير ـ دون قتال وتضحية توطد سلطانهم في المدينة ، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم ، وأمكن للرسول(صلى الله عليه وسلم) أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد ، وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذالة وكفران ، وبلغت بهم الجرأة إلى أن أرادوا القيام بجر غزوة على المدينة‏ .‏

فقبل أن يقوم النبي(صلى الله عليه وسلم) بتأديب أولئك الغادرين ، نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني مُحَارِب وبني ثعلبة من غَطَفَان ، فسارع النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى الخروج ، يجوس فيافي نجد ، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة ، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبها إخوانهم مع المسلمين ‏.‏

وأضحي الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال ، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة ، وخلطوا بمشاعرهم الرعب ، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين‏ .‏

وقد ذكر أهل المغازي والسير بهذا الصدد غزوة معينة غزاها المسلمون في أرض نجد في شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولي سنة 4 هـ ، ويسمون هذه الغزوة بغزوة ذات الرِّقَاع ‏.‏ أما وقوع الغزوة خلال هذه المدة فهو أمر تقتضيه ظروف المدينة ، فإن موسم غزوة بدر التي كان قد تواعد بها أبو سفيان حين انصرافه من أحد ، كان قد اقترب ‏.‏ وإخلاء المدينة ، مع ترك البدو والأعراب على تمردهم وغطرستهم ، والخروج لمثـل هذا اللقاء الرهيب لم يكن من مصالح سياسة الحروب قطعاً ، بل كان لا بد من خضد شوكتهم وكف شرهم ، قبل الخروج لمثل هذه الحرب الكبيرة ، التى كانوا يتوقعون وقوعها فى رحاب بدر ‏.‏

وأما أن تلك الغزوة التى قادها الرسول(صلى الله عليه وسلم) فى ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة 4 هـ هى غزوة ذات الرقاع فلا يصح ، فإن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعرى رضي الله عنهما ، وكان إسلام أبى هريرة قبل غزوة خيبر بأيام ، وكذلك أبو موسى الأشعرى رضي الله عنه ، وافى النبى(صلى الله عليه وسلم) بخيبر‏ .‏

وإذن فغزوة ذات الرقاع بعد خيبر ، ويدل على تأخرها عن السنة الرابعة أن النبى(صلى الله عليه وسلم) صلى فيها صلاة الخوف ، وكانت أول شرعية صلاة الخوف فى غزوة عُسْفَان ، ولا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق ، وكانت غزوة الخندق فى أواخر السنة الخامسة‏ .‏


غزوة بدر الثانية
ولما خضد المسلمون شوكة الأعراب ، وكفكفوا شرهم ، أخذوا يتجهزون لملاقاة عدوهم الأكبر ، فقد استدار العام وحضر الموعد المضروب مع قريش ـ في غزوة أحد ـ وحق لمحمد(صلى الله عليه وسلم) وصحبه أن يخرجوا ، ليواجهوا أبا سفيان وقومه ، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى حتى يستقر الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء ‏.‏
ففي شعبان سنة 4هـ يناير سنة 626م خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لموعده في ألف وخمسمائة ، وكانت الخيل عشرة أفراس ، وحمل لواءه علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة ، وانتهى إلى بدر ، فأقام بها ينتظر المشركين ‏.‏
وأما أبو سفيان فخرج في ألفين من مشركي مكة ، ومعهم خمسون فرساً ، حتى انتهى إلى مَرِّ الظَّهْرَان على بعد مرحلة من مكة فنزل بمَجَنَّة ـ ماء في تلك الناحية ‏.‏
خرج أبو سفيان من مكة متثاقلاً يفكر في عقبي القتال مع المسلمين ، وقد أخذه الرعب ، واستولت على مشاعره الهيبة ، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه ، فاحتال للرجوع ، وقال لأصحابه ‏:‏ يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجع فارجعوا‏ .‏
ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر الجيش أيضاً ، فقد رجع الناس ولم يبدوا أي معارضة لهذا الرأي ، ولا أي إصرار وإلحاح على مواصلة السير للقاء المسلمين ‏.‏
وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام ينتظرون العدو ، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بدرهم درهمين ، ثم رجعوا إلى المدينة وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم ، وتوطدت هيبتهم في النفوس ، وسادوا على الموقف ‏.‏
وتعرف هذه الغزوة ببدر الموعد ، وبدر الثانية ، وبدر الآخرة ، وبدر الصغرى‏ .‏

غزوة دومة الجندل
عاد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من بدر، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام ، واطمأنت دولته ، فتفرغ للتوجه إلى أقصى حدود العرب حتى تصير السيطرة للمسلمين على الموقف ، ويعترف بذلك الموالون والمعادون ‏.‏
مكث بعد بدر الصغرى في المدينة ستة أشهر ، ثم جاءت إليه الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل ـ قريباً من الشام ـ تقطع الطريق هناك ، وتنهب ما يمر بها وأنها قد حشدت جمعاً كبيرا تريد أن تهاجم المدينة ، فاستعمل رسول الله(صلى الله عليه وسلم)[color=#006600]
[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almohammdih.akbarmontada.com
almohammdih
منتديات المحمدية
منتديات المحمدية
avatar

ذكر عدد المساهمات : 922
نقاط : 2354
تاريخ التسجيل : 14/01/2010

مُساهمةموضوع: غزوة الأحزاب   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:05 am

[center]


<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR>
<td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</TD></TR></TABLE>
عاد الأمن والسلام ، وهدأت الجزيرة العربية بعد الحروب والبعوث التي استغرقت أكثر من سنة كاملة ، إلا أن اليهود ـ الذين كانوا قد ذاقوا ألواناً من الذلة والهوان نتيجة غدرهم وخيانتهم ومؤامراتهم ودسائسهم ـ لم يفيقوا من غيهم ، ولم يستكينوا ، ولم يتعظوا بما أصابهم من نتيجة الغدر والتآمر ‏.‏ فهم بعد نفيهم إلى خيبر ظلوا ينتظرون ما يحل بالمسلمين من خلال المناوشات التي كانت قائمة بين المسلمين والوثنيين ، ولما تحول مجرى الأيام لصالح المسلمين ، وتمخضت الليالي والأيام عن بسط نفوذهم ، وتوطد سلطانهم ـ تحرق هؤلاء اليهود أي تحرق ‏.‏
وشرعوا في التآمر من جديد على المسلمين ، وأخذوا يعدون العدة ، لتصويب ضربة إلى المسلمين تكون قاتلة لا حياة بعدها ‏.‏ ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهم جرأة على قتال المسلمين مباشرة ، خططوا لهذا الغرض خطة رهيبة ‏.‏
خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة ، يحرضونهم على غزو الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، ويوالونهم عليه ، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم ، فأجابتهم قريش ، وكانت قريش قد أخلفت موعدها في الخروج إلى بدر ، فرأت في ذلك إنقاذا لسمعتها والبر بكلمتها‏ .‏
ثم خرج هذا الوفد إلى غَطَفَان ، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً فاستجابوا لذلك ، ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب ، وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ‏.‏
وعلى إثر ذلك خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة ـ وقائدهم أبو سفيان ـ في أربعة آلاف ، ووافاهم بنو سليم بمَرِّ الظَّهْرَان ، وخرجت من الشرق قبائل غطفان‏ :‏ بنو فَزَارة ، يقودهم عُيينَة بن حِصْن ، وبنو مُرَّة، يقودهم الحارث بن عوف ، وبنو أشجع ، يقودهم مِسْعَر بن رُحَيلَةِ ، كما خرجت بنو أسد وغيرها ‏.‏
واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه ‏.‏
وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عَرَمْرَم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل ، جيش ربما يزيد عدده على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ ‏.‏
ولو بلغت هذه الأحزاب والمحزبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتة لكانت أعظم خطراً على كيان المسلمين مما يقاس ، وربما تبلغ إلى استئصال الشأفة وإبادة الخضراء ، ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة ، لم تزل واضعة أناملها على العروق النابضة ، تتجسس الظروف ، وتقدر ما يتمخض عن مجراها ، فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها فيها بهذا الزحف الخطير ‏.‏
وسارع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى عقد مجلس استشاري أعلى ، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة ، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه ‏.‏ قال سلمان ‏:‏ يا رسول الله ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا ‏.‏ وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك‏ .‏
وأسرع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى تنفيذ هذه الحظة ، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعاً ، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) يحثهم ويساهمهم في عملهم هذا ‏.‏ ففي البخاري عن سهل بن سعد ، قال ‏:‏ كنا مع رسول الله في الخندق ، وهم يحفرون ، ونحن ننقل التراب على أكتادنا ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) " : ‏اللهم لا عَيشَ إلا عيشُ الآخرة ، فاغفر للمهاجرين والأنصار‏ "‏ ‏.‏
وعن أنس‏ :‏ خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى الخندق فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم ، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال‏ :‏

اللهم إن العيش عيش الآخرة

فاغفـر للأنصـار والمهـاجرة
فقالوا مجيبين له ‏:‏

نحـن الذيـن بايعـوا محمـداً

على الجهـاد ما بقيـنا أبداً
وفيه عن البراء بن عازب قال ‏:‏ رأيته(صلى الله عليه وسلم) ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر ، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ، وهو ينقل من التراب ويقول‏:


اللهم لولا أنت ما اهتدينا
فأنزلن سكينـة علينـا
إن الألى بغـوا علينـا


ولا تصـدقنـا ولا صلينــا
وثبت الأقـدام إن لاقينـــا
وإن أرادوا فتـنـة أبينـــا
قال ‏:‏ ثم يمد بها صوته بآخرها ، وفي رواية ‏:‏

إن الألى قـد بغـوا علينـا

وإن أرادوا فـتنـة أبينـا
كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد ، قال أنس ‏:‏ كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير ، فيصنع لهم بإهَالَةٍ سنخة توضع بين يدي القوم ، والقوم جياع ، وهي بشعة في الحلق ولها ريح ‏.‏
وقال أبو طلحة ‏:‏ شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الجوع ، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ، فرفع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن حجرين ‏.‏
وبهذه المناسبة وقعت أثناء حفر الخندق آيات من أعلام النبوة ، رأى جابر بن عبد الله في النبي(صلى الله عليه وسلم) خمصاً شديدًا فذبح بهيمة ، وطحنت امرأته صاعاً من شعير ، ثم التمس من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سراً أن يأتي في نفر من أصحابه ، فقام النبي(صلى الله عليه وسلم) بجميع أهل الخندق ، وهم ألف ، فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا ، وبقيت بُرْمَة اللحم تغط به كما هي ، وبقي العجين يخبز كما هو ‏.‏
وجاءت أخت النعمان بن بشير بحَفْنَة من تمر إلى الخندق ليتغدى به أبوه وخاله ، فمرت برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فطلب منها التمر ، وبدده فوق ثوب ، ثم دعا أهل الخندق ، فجعلوا يأكلون منه وجعل التمر يزيد ، حتى صدر أهل الخندق عنه ، وإنه يسقط من أطراف الثواب ‏.‏
وأعظم من هذين ما رواه البخاري عن جابر قال‏ :‏ إنا يوم خندق نحفر ، فعرضت كُدْية شديدة ، فجاءوا النبي(صلى الله عليه وسلم) فقالوا‏ :‏ هذه كدية عرضت في الخندق‏ .‏ فقال ‏:‏ ‏( ‏أنا نازل‏ ) ‏، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ـ ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقاً ـ فأخذ النبي(صلى الله عليه وسلم) المِعْوَل ، فضرب فعاد كثيباً أهْيل أو أهْيم ، أي صار رملاً لا يتماسك‏ .‏
وقال البراء ‏:‏ لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول ، فاشتكينا ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فجاءة وأخذ المعول فقال ‏:‏ ‏" بسم الله "‏ ، ثم ضرب ضربة ، وقال ‏:‏ ‏" ‏الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة‏ "‏، ثم ضرب الثانية فقطع آخر ، فقال :‏ ‏" الله أكبر ، أعطيت فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن " ‏، ثم ضرب الثالثة ، فقال ‏:‏ ‏" بسم الله "‏ ، فقطع بقية الحجر ، فقال‏ :‏ "‏الله أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني ‏" ‏‏.‏
وروى ابن إسحاق مثل ذلك عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ‏.‏
ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين من النخيل من كل جانب سوي الشمال ، وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) يعلم أن زحف مثل هذا الجيش الكبير ، ومهاجمته المدينة لا يمكن إلا من جهة الشمال ، اتخذ الخندق في هذا الجانب‏ .‏
وواصل المسلمون عملهم في حفره ، فكانوا يحفرونه طول النهار ، ويرجعون إلى أهليهم في المساء ، حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة ، قبل أن يصل الجيش الوثني العرمرم إلى أسوار المدينة ‏.‏
وأقبلت قريش في أربعة آلاف ، حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومَة بين الجُرْف وزَغَابَة ، وأقبلت غَطَفَان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف حتى نزلوا بذَنَبِ نَقْمَي إلى جانب أحد‏ .‏
‏" وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا "‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏] ‏‏.‏
وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش "‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا‏ "‏‏[‏ الأحزاب‏:‏ 12‏] ‏‏.‏
وخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سَلْع فتحصنوا به ، والخندق بينهم وبين الكفار‏ . ‏وكان شعارهم ‏:‏ ‏[ ‏حم لا ينصرون ‏] ‏، واستحلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة‏ .‏
ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة ، وجدوا خندقاً عريضاً يحول بينهم وبينها ، فالتجأوا إلى فرض الحصار على المسلمين ، بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم ، إذ كانت هذه الخطة ـ كما قالوا ـ مكيدة ما عرفتها العرب ، فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم رأساً‏ .‏
وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضاباً ، يتحسسون نقطة ضعيفة ، لينحدروا منها ، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين ، يرشقونهم بالنبل ، حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه ، ولا يستطيعوا أن يقتحموه ، أو يهيلوا عليه التراب ، ليبنوا به طريقاً يمكنهم من العبور‏ .‏
وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار ، فإن ذلك لم يكن من شيمهم ، فخرجت منها جماعة فيها عمرو بن عبد وُدّ وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم ، فتيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه ، وجالت بهم خيلهم في السَّبْخة بين الخندق وسَلْع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، ودعا عمرو إلى المبارزة ، فانتدب له علي بن أبي طالب ، وقال كلمة حمي لأجلها ـ وكان من شجعان المشركين وأبطالهم ـ فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي رضي الله عنه ، وانهزم الباقون حتى اقتحموا الخندق هاربين ، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو ‏.‏
وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق ، أو لبناء الطرق فيها ، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة ، ورشقوهم بالنبل ، وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم ‏.‏
ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ، ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه ‏:‏ أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش ‏.‏ فقال‏ :‏ يا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏(‏ وأنا والله ما صليتها ‏) ‏، فنزلنا مع النبي(صلى الله عليه وسلم) بُطْحَان ، فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب ‏.‏
وقد استاء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين ، ففي البخاري عن على عن النبي(صلى الله عليه وسلم) أنه قال يوم الخندق ‏:‏ ‏" ‏ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً ، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ‏" ‏‏.‏
وفي مسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعاً‏ .‏ قال النووي ‏:‏ وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياماً فكان هذا في بعض الأيام ، وهذا في بعضها ‏.‏ انتهى ‏.‏
ومن هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين ، والمكافحة المتواصلة من المسلمين ، دامت أياماً ، إلا أن الخندق لما كان حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر أو حرب دامية ، بل اقتصروا على المراماة والمناضلة ‏.‏
وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين ، يعدون على الأصابع‏ :‏ ستة من المسلمين ، وعشرة من المشركين ، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف ‏.‏
وفي هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكْحَل ، رماه رجل من قريش يقال له ‏:‏ حَبَّان بن العَرِقَة ، فدعا سعد ‏:‏ اللّهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه ، اللّهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك ، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها ‏.‏ وقال في آخر دعائه‏ :‏ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة‏ .‏
وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها ، تريد إيصال السم داخل أجسادهم ‏:‏ انطلق كبير مجرمي بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرظي ـ سيد بني قريظة وصاحب عقدهم وعهدهم ، وكان قد عاقد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على أن ينصره إذا أصابته حرب ، كما تقدم ـ فضرب عليه حيي الباب فأغلقه كعب دونه ، فما زال يكلمه حتى فتح له بابه ، فقال حيي ‏:‏ إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طَامٍ ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رُومَة ، وبغطفان على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بذَنَب نَقْمَي إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه ‏.‏
فقال له كعب‏ :‏ جئتني والله بذُلِّ الدهر وبجَهَامٍ قد هَرَاق ماؤه ، فهو يرْعِد ويبْرِق ، ليس فيه شيء ‏.‏ ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً‏.‏
فلم يزل حيي بكعب يفْتِلُه في الذِّرْوَة والغَارِب ، حتى سمح له على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً‏ :‏ لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك ، حتى يصيبني ما أصابك ، فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين ‏.‏
وفعلاً قامت يهود بني قريظة بعمليات الحرب ‏.‏ قال ابن إسحاق‏ :‏ كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت ، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان ، قالت صفية ‏:‏ فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمون في غور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت ، قالت ‏:‏ فقلت ‏:‏ يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَنْ وراءنا مِنْ يهود ، وقد شغل عنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ، فانزل إليه فاقتله ‏.‏
قال ‏:‏ والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، قالت‏ :‏ فاحتجزت ثم أخذت عموداً ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن وقلت ‏:‏ يا حسان ، انزل إليه فاسلبه ، فإنه لم يمنعني من سبله إلا أنه رجل ، قال ‏:‏ ما لي بسلبه من حاجة ‏.‏
وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول(صلى الله عليه وسلم) أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم ، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي ـ مع أنها كانت خالية عنهم تماماً ـ فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل ، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن ، كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين ، حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جملاً ‏.‏
وانتهى الخبر إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وإلى المسلمين فبادر إلى تحقيقه ، حتى يستجلي موقف قريظة ، فيواجهه بما يجب من الوجهة العسكرية ، وبعث لتحقيق الخبر السعدين ، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة وخَوَّات بن جبير ، وقال ‏:‏ ‏" انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ‏؟‏ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه ، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس "‏‏ .‏
فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون ، فقد جاهروهم بالسب والعداوة ، ونالوا من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
وقالوا ‏:‏ من رسول الله ‏؟‏ لا عهد بيننا وبين محمد ، ولا عقد ‏.‏ فانصرفوا عنهم ، فلما أقبلوا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لحنوا له ، وقالوا ‏:‏ عَضَل وقَارَة ، أي إنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرَّجِيع ‏.‏
وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية الأمر ، فتجسد أمامهم خطر رهيب ‏.‏
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون ، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف ، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه ، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ ، وصاروا كما قال الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا "‏‏[‏ الأحزاب‏:‏10، 11‏]‏
ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال ‏:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط‏ .‏ وحتى قال بعض آخر في ملأ من رجال قومه ‏:‏ إن بيوتنا عورة من العدو ، فأذن لنا أن نخرج ، فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة ‏.‏ وحتى همت بنو سلمة بالفشل ، وفي هؤلاء أنزل الله تعالى ‏:‏ ‏" وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا "‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12، 13‏]‏‏ .‏
أما رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فتقنع بثوبه حين أتاه غَدْر قريظة ، فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء ، ثم نهض مبشراً يقول ‏:‏ ‏" ‏الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره "‏، ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن ، وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة ، لئلا يؤتى الذراري والنساء على غرة ، ولكن كان لابد من إقدام حاسم ، يفضي إلى تخاذل الأحزاب ، وتحقيـقاً لهــذا الهـدف أراد أن يصالـح عُيينَة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة ، حتى ينصرفا بقومهما ، ويخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة بقريش التي اختبروا مدى قوتها وبأسها مراراً ، وجرت المراودة على ذلك ، فاستشار السعدين في ذلك ، فقالا ‏:‏ يا رسول الله ، إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة ، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه ، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي أو بيعاً ، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ‏؟‏ والله لا نعطيهم إلا السيف ، فَصَوَّبَ رأيهما وقال ‏:‏ " ‏إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة "‏‏.‏
ثم إن الله عز وجل ـ وله الحمد ـ صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم ، وفَلَّ حدهم ، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له‏:‏ نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه جاء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال ‏:‏ يا رسول الله ، إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني ما شئت ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏إنما أنت رجل واحد ، فَخذِّلْ عنا ما استطعت ، فإن الحرب خدعة ‏) ‏، فذهب من فوره إلى بني قريظة ـ وكان عشيراً لهم في الجاهلية ـ فدخل عليهم وقال ‏:‏ قد عرفتم ودي إياكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ، قالوا‏ :‏ صدقت ‏.‏ قال‏ :‏ فإن قريشاً ليسوا مثلكم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فإن أصابوا فرصة انتهزوها ، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم ، قالوا ‏:‏ فما العمل يا نعيم ‏؟‏ قال ‏:‏ لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن ‏.‏ قالوا‏ :‏ لقد أشرت بالرأي ‏.‏
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم ‏:‏ تعلمون ودي لكم ونصحي لكم ‏؟‏ قالوا‏ :‏ نعم، قال ‏:‏ إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه ، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم ، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ، ثم ذهب إلى غطفان ، فقال لهم مثل ذلك ‏.‏
فلما كانت ليلة السبت من شوال ـ سنة 5هـ ـ بعثوا إلى اليهود ‏:‏ أنا لسنا بأرض مقام ، وقد هلك الكُرَاع والخف ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً ، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت ، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه ، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن ، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان ‏:‏ صدقكم والله نعيم ، فبعثوا إلى يهود إنا والله لا نرسل إليكم أحداً ، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً ، فقالت قريظة ‏:‏ صدقكم والله نعيم‏ .‏ فتخاذل الفريقان ، ودبت الفرقة بين صفوفهم ، وخارت عزائمهم ‏.‏
وكان المسلمون يدعون الله تعالى‏ :‏ ‏( ‏اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ‏)‏ ، ودعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الأحزاب ، فقال‏:‏ " ‏اللّهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللّهم اهزمهم وزلزلهم "‏‏.‏
وقد سمع الله دعاء رسوله والمسلمين ، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين وسرى بينهم التخاذل أرسل الله عليهم جنداً من الريح فجعلت تقوض خيامهم ، ولا تدع لهم قِدْرًا إلا كفأتها ، ولا طُنُبًا إلا قلعته ، ولا يقر لهم قرار ، وأرسل جنداً من الملائكة يزلزلونهم ، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف ‏.‏
وأرسل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم ، فوجدهم على هذه الحالة ، وقد تهيأوا للرحيل ، فرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأخبره برحيل القوم ، فأصبح رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وقد رد الله عدوه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almohammdih.akbarmontada.com
almohammdih
منتديات المحمدية
منتديات المحمدية
avatar

ذكر عدد المساهمات : 922
نقاط : 2354
تاريخ التسجيل : 14/01/2010

مُساهمةموضوع: غزوة بني قريظة   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:10 am





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة ، جاءه جبريل عليه السلام عند الظهر ، وهو يغتسل في بيت أم سلمة ، فقال ‏:‏ أو قد وضعت السلاح ‏؟‏ فإن الملائكة لم تضع أسلحتهم ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، فانهض بمن معك إلى بني قريظة ، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم ، وأقذف في قلوبهم الرعب ، فسار جبريل في موكبه من الملائكة ‏.‏


وأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مؤذناً فأذن في الناس ‏:‏ من كان سامعاً مطيعاً فلا يصَلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وأعطى الراية علي بن أبي طالب ، وقدّمه إلى بني قريظة ، فسار علي حتى إذا دنا من حصونهم سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏




وخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في موكبه من المهاجرين والأنصار ، حتى نزل على بئر من آبار قريظة يقال لها ‏:‏ بئر أنَّا‏ .‏ وبادر المسلمون إلى امتثال أمره ، ونهضوا من فورهم ، وتحركوا نحو قريظة ، وأدركتهم العصر في الطريق فقال بعضهم ‏:‏ لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا ، حتى إن رجالاً منهم صلوا العصر بعد العشاء الآخرة ، وقال بعضهم‏ :‏ لم يرد منا ذلك ، وإنما أراد سرعة الخروج ، فصلوها في الطريق ، فلم يعنف واحدة من الطائفتين ‏.‏



هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً حتى تلاحقوا بالنبي(صلى الله عليه وسلم) ، وهم ثلاثة آلاف ، والخيل ثلاثون فرساً ، فنازلوا حصون بني قريظة ، وفرضوا عليهم الحصار‏ .‏



ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال ‏:‏ إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد(صلى الله عليه وسلم) في دينه ، فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم ـ وقد قال لهم ‏:‏ والله ، لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه الذي تجدونه في كتابكم ـ وإما أن يقتلوا ذراريهم ونساءهم بأيديهم ، ويخرجوا إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بالسيوف مُصْلِِتِين ، يناجزونه حتى يظفروا بهم ، أو يقتلوا عن آخرهم ، وإما أن يهجموا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ، ويكبسوهم يوم السبت ، لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه ، فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة من هذه الخصال الثلاث ، وحينئذ قال سيدهم كعب بن أسد ـ في انزعاج وغضب ‏:‏ ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً ‏.‏


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ولكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين ، لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه ، فبعثوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن أرسل إلينا أبا لُبَابة نستشيره ، وكان حليفاً لهم ، وكانت أمواله وولده في منطقتهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجَهَشَ النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فَرَقَّ لهم، وقالوا ‏:‏ يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد‏ ؟‏ قال ‏:‏ نعم ، وأشار بيده إلى حلقه ، يقول ‏:‏ إنه الذبح ، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه ، ولم يرجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة ، فربط نفسه بسارية المسجد ، وحلف ألا يحله إلا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بيده ، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً ‏.‏ فلما بلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) خبره ـ وكان قد استبطأه ـ قال ‏:‏ ‏" أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه‏ "‏‏.‏



وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل ، لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار ومناعة الحصون ، ولأن المسلمين كانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء ، مع شدة التعب الذي اعتراهم ، لمواصلة الأعمال الحربية من قبل بداية معركة الأحزاب ، إلا أن حرب قريظة كانت حرب أعصاب ، فقد قذف الله في قلوبهم الرعب ، وأخذت معنوياتهم تنهار ، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته أن تقدم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، وصاح علي ‏:‏ يا كتيبة الإيمان ، والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم ‏.‏



وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) باعتقال الرجال ، فوضعت القيود في أيديهم تحت إشراف محمد بن مسلمة الأنصاري ، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال في ناحية ، وقامت الأوس إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقالوا ‏:‏ يا رسول الله ، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت ، وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا ، فأحسن فيهم ، فقال ‏:‏ ‏( ‏ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم‏ ؟ ‏‏)‏ قالوا ‏:‏ بلى ‏.‏ قال ‏:‏ ‏( ‏فذاك إلى سعد بن معاذ ‏) ‏‏.‏ قالوا ‏:‏ قد رضينا ‏.‏




فأرسل إلى سعد بن معاذ ، وكان في المدينة لم يخرج معهم للجرح الذي كان قد أصاب أكْحُلَه في معركة الأحزاب‏ .‏ فأُركب حماراً ، وجاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فجعلوا يقولون ، وهم كَنَفَيْهِ ‏:‏ يا سعد ، أجمل في مواليك ، فأحسن فيهم ، فإن رسول الله قد حكمك لتحسن فيهم ، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً ، فلما أكثروا عليه قال ‏:‏ لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم‏ .‏




ولما انتهى سعد إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) قال للصحابة ‏:‏ ‏( ‏قوموا إلى سيدكم‏ ) ‏، فلما أنزلوه قالوا ‏:‏ يا سعد ، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك ‏.‏ قال ‏:‏ وحكمي نافذ عليهم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وعلى المسلمين ‏؟‏ قالوا ‏:‏ نعم ، قال ‏:‏ وعلى من هاهنا‏ ؟‏ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إجلالاً له وتعظيمًا‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم ، وعلي‏ )‏ ‏.‏ قال ‏:‏ فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتسبى الذرية ، وتقسم الأموال ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات "‏‏.‏




وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف ، فإن بني قريظة ، بالإضافة إلى ما ارتكبوا من الغدر الشنيع ، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفاً وخمسمائة سيف ، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع ، وخمسمائة ترس ، وحَجَفَة ، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم ‏.‏





وأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فحبست بنو قريظة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة ، ثم أمر بهم ، فجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً ، وتضرب في تلك الخنادق أعناقهم ‏.‏ فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد ‏:‏ ما تراه يصنع بنا ‏؟‏ فقال‏ :‏ أفي كل موطن لا تعقلون ‏؟‏ أما ترون الداعي لا ينزع‏ ؟‏ والذاهب منكم لا يرجع ‏؟‏ هو والله القتل ـ وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ، فضربت أعناقهم ‏.‏




وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة ، الذين كانوا قد نقضوا الميثاق المؤكد ، وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بها في حياتهم ، وكانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر مجرمي الحروب الذين يستحقون المحاكمة والإعدام ‏.‏
وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير ، وأحد أكابر مجرمي معركة الأحزاب حيي بن أخطب والد صفية أم المؤمنين رضي الله عنها كان قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه حينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب ، فلما أتي به ـ وعليه حُلَّة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يُسْلَبَها ـ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، قال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ أما والله ما لمت نفسي في معاداتك ، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب ‏.‏ ثم قال ‏:‏ أيها الناس ، لا بأس بأمر الله ، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني إسرائيل ، ثم جلس ، فضربت عنقه ‏.‏



وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت قد طرحت الرحى على خَلاَّد بن سُوَيْد فقتلته ، فقتلت لأجل ذلك ‏.‏
وكان قد أمر رسول الله بقتل من أنْبَتَ ، وترك من لم ينبت ، فكان ممن لم ينبت عطية القُرَظِي ، فترك حياً فأسلم ، وله صحبة ‏.‏
واستوهب ثابت بن قيس ، الزبير بن باطا وأهله وماله ـ وكانت للزبير يد عند ثابت ـ فوهبهم له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال له ثابت بن قيس ‏:‏ قد وهبك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى ، ووهب لي مالك وأهلك فهم لك ‏.‏ فقال الزبير بعد أن علم بمقتل قومه ‏:‏ سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة ، فضرب عنقه ، وألحقه بالأحبة من اليهود ، واستحيا ثابت من ولد الزبير بن باطا عبد الرحمن بن الزبير، فأسلم وله صحبة‏ .‏




واستوهبت أم المنذر سلمي بنت قيس النجارية رفاعة بن سموأل القرظي ، فوهبه لها فاستحيته ، فأسلم وله صحبة ‏.‏
وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، فحقنوا دماءهم وأموالهم وذراريهم‏.‏
وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدي ـ وكان رجلاً لم يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ فرآه محمد بن مسلمة قائد الحرس النبوي ، فخلى سبيله حين عرفه ، فلم يعلم أين ذهب ‏.‏
وقسم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أموال بني قريظة بعد أن أخرج منها الخمس ، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم ، سهمان للفرس وسهم للفارس ، وأسهم للراجل سهماً واحداً ، وبعث من السبايا إلى نجد تحت إشراف سعد بن زيد الأنصاري فابتاع بها خيلاً وسلاحاً‏ .‏





واصطفى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لنفسه من نسائهم رَيْحَانة بنت عمرو بن خُنَافة ، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه ، هذا ما قاله ابن إسحاق‏ .‏ وقــال الكلبي‏ :‏ إنه(صلى الله عليه وسلم) أعتقها ، وتزوجها سنة 6 هـ ، وماتت مرجعـه مـن حجة الـوداع ، فدفنها بالبقيـع ‏.‏




ولما تم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي الله عنه ـ التي قدمنا ذكرها في غزوة الأحزاب ـ وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) قد ضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب ، فلما تم أمر قريظة انتقضت جراحته ‏.‏ قالت عائشة ‏:‏ فانفجرت من لَبَّتِهِ فلم يَرُعْهُمْ ـ وفي المسجد خيمة من بني غفار ـ إلا والدم يسيل إليهم ، فقالوا‏ :‏ يا أهل الخيمة ، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ، فإذا سعد يغذو جرحه دماً ، فمات منها ‏.‏
وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال ‏: ‏" ‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏ "‏‏.‏ وصحح الترمذي من حديث أنس قال‏ :‏ لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون‏ :‏ ما أخف جنازته ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏إن الملائكة كانت تحمله "‏‏.‏




قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين ، وهو خلاد بن سُوَيْد الذي طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة ‏.‏ ومات في الحصار أبو سِنان بن مِحْصَن أخو عُكَّاشَة ‏.‏
وأما أبو لُبابة ، فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال ، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، ثم نزلت توبته على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة ، فقامت على باب حجرتها ، وقالت ‏:‏ يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك ، فثار الناس ليطلقوه ، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فلما مر النبي(صلى الله عليه وسلم) خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه ‏.‏
وقعت هــذه الغــزوة فـي ذي القعدة سنـة 5 هـ ، ودام الحصار خمساً وعشريـن ليلة‏ .‏
وأنزل الله تعالى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب ، ذكر فيها أهم جزئيات الوقعة ، وبين حال المؤمنين والمنافقين ، ثم تخذيل الأحزاب ، ونتائج الغدر من أهل الكتاب ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almohammdih.akbarmontada.com
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: النشاط العسكري بعد بني قريظة   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:22 am



<TABLE class=MsoNormalTable style="BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm" cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="PADDING-RIGHT: 0cm; PADDING-LEFT: 0cm; BORDER-LEFT-COLOR: #fefefe; BORDER-BOTTOM-COLOR: #fefefe; PADDING-BOTTOM: 0cm; WIDTH: 100%; BORDER-TOP-COLOR: #fefefe; PADDING-TOP: 0cm; BACKGROUND-COLOR: transparent; BORDER-RIGHT-COLOR: #fefefe" width="100%">

<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR>
<td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</TD></TR></TABLE>
</TD></TR></TABLE>


<TABLE class=MsoNormalTable style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 256.15pt; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width=342 border=1>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">[center]النشاط العسكري بعد غزوة بني قريضة
</TD></TR></TABLE>

كان سلام بن أبي الحقيق ـ وكنيته أبو رافع ـ من أكابر مجرمي اليهود الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وأعانهم بالمؤن والأموال الكثيرة ، وكان يؤذي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فلما فرغ المسلمون من أمر قريظة استأذنت الخزرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قتله‏ .‏ وكان قتل كعب بن الأشرف على أيدي رجال من الأوس ، فرغبت الخزرج في إحراز فضيلة مثل فضيلتهم ، فلذلك أسرعوا إلى هذا الاستئذان ‏.‏

وأذن رسول الله في قتله ونهى عن قتل النساء والصبيان ، فخرجت مفرزة قوامها خمسة رجال ، كلهم من بني سلمة من الخزرج ، قائدهم عبد الله بن عَتِيك‏ .‏

خرجت هذه المفرزة ، واتجهت نحو خيبر ، إذ كان هناك حصن أبي رافع ، فلما دنوا منه ، وقد غربت الشمس ، وراح الناس بسرحهم ، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه‏ :‏ اجلسوا مكانكم ، فإني منطلق ومتلطف للبواب ، لعلي أن أدخل ، فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب‏ :‏ يا عبد الله ، إن كنت تريد أن تدخل فادخل ، فإني أريد أن أغلق الباب ‏.‏

قال عبد الله بن عَتِيك ‏:‏ فدخلت فكمنت ، فلما دخل الناس أغلق الباب ، ثم علق الأغاليق على وَدٍّ‏ .‏ قال‏ :‏ فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ، ففتحت الباب ، وكان أبو رافع يسمر عنده ، وكان في علالي له ، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه ، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت علي من داخل ‏.‏ قلت‏ :‏ إن القوم لو نَذِروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله ، فانتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، لا أدري أين هو من البيت ‏.‏ قلت ‏:‏ أبا رافع ، قال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش ، فما أغنيت شيئاً ، وصاح ، فخرجت من البيت ، فأمكث غير بعيد ، ثم دخلت إليه ، فقلت ‏:‏ ما هذا الصوت يا أبا رافع‏ ؟‏ فقال ‏:‏ لأمك الويل ، إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف ‏.‏ قال‏ :‏ فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ‏.‏ ثم وضعت ضَبِيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره ، فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً ، حتى انتهيت إلى درجة له ، فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي ، فعصبتها بعمامة ، ثم انطلقت حتى جلست على الباب ‏.‏ فقلت ‏:‏ لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته ‏؟‏ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ، فقال ‏:‏ أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، فانطلقت إلى أصحابي فقلت ‏:‏ النجاء ، فقد قتل الله أبا رافع ‏.‏ فانتهيت إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فحدثته فقال‏ :‏ ‏( ‏ابسط رجلك‏ ) ‏، فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها ‏.‏

هذه رواية البخاري ، وعند ابن إسحاق أن جميع النفر دخلوا على أبي رافع واشتركوا في قتله ، وأن الذي تحامل عليه بالسيف حتى قتله هو عبد الله بن أنيس ، وفيه‏ :‏ أنهم لما قتلوه ليلاً ، وانكسرت ساق عبد الله بن عتيك حملوه ، وأتوا مَنْهَرًا من عيونهم فدخلوا فيه ، وأوقد اليهود النيران واشتدوا في كل وجه ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم ، وأنهم حين رجعوا احتملوا عبد الله بن عتيك حتى قدموا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

كان مبعث هذه السرية في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة 5 هـ ‏.‏

ولما فرغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من الأحزاب وقريظة أخذ يوجه حملات تأديبية إلى القبائل والأعراب ، الذين لم يكونوا يستكينون للأمن والسلام إلا بالقوة القاهرة‏ .




سرية محمد بن مسلمة




وكانت أول سرية بعد الفراغ من الأحزاب وقريظة ، وكان عدد قوات هذه السرية ثلاثين راكباً‏ .‏

تحركت هذه السرية إلى القرطاء بناحية ضَرِيَّة بالبَكَرات من أرض نجد ، وبين ضرية والمدينة سبع ليال ، تحركت لعشر ليال خلون من المحرم سنة 6 هـ إلى بطن بني بكر بن كلاب ‏.‏ فلما أغارت عليهم هربوا ، فاستاق المسلمون نعما وشاء ، وقدموا المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعهم ثُمَامَة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة ، كان قد خرج متنكراً لاغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) بأمر مسيلمة الكذاب ، فأخذه المسلمون ، فلما جاءوا به ربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي(صلى الله عليه وسلم) فقال ‏:‏ ‏(‏ ما ذا عندك يا ثمامة‏ ؟ ‏‏)‏ فقال ‏:‏ عندي خير يا محمد ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تعط منه ما شئت ، فتركه ، ثم مرّ به مرة أخرى ، فقال له مثل ذلك ، فرد عليه كما رد عليه أولاً ، ثم مر مرة ثالثة فقال ـ بعد ما دار بينهما الكلام السابق ‏:‏ ‏( ‏أطلقوا ثمامة ‏) ‏، فأطلقوه، فذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم جاءه فأسلم ، وقال ‏:‏ والله ، ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ ، ووالله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إليّ من دينك ، فقد أصبح دينك أحب الأديان إليّ ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فبشره رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأمره أن يعتمر ، فلما قدم على قريش قالوا‏ :‏ صبأت يا ثمامة ، قال ‏:‏ لا والله ، ولكني أسلمت مع محمد(صلى الله عليه وسلم) ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ وكانت يمامة ريف مكة ، فانصرف إلى بلاده ، ومنع الحمل إلى مكة ، حتى جهدت قريش ، وكتبوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامـة يخلي إليـه حمل الطعـام ، ففعـل رسـول الله(صلى الله عليه وسلم) .




غزوة بني لحيان


بنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالرَّجِيع ، وتسببوا في إعدامهم ، ولكن لما كانت ديارهم متوغلة في الحجاز إلى حدود مكة ‏، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب ، لم يكن يري رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر ، فلما تخاذلت الأحزاب ، واستوهنت عزائمهم ، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما ، رأى أن الوقت قد آن لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع .

فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادى الأولي سنة 6 هـ في مائتين من أصحابه ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأظهر أنه يريد الشام ، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غُرَان ـ واد بين أمَجَ وعُسْفَان ـ حيث كان مصاب أصحابه ، فترحم عليهم ودعا لهم ، وسمعت به بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال ، فلم يقدر منهم على أحد ، فأقام يومين بأرضهم ، وبعث السرايا ، فلم يقدروا عليهم ، فسار إلى عسفان ، فبعث عشرة فوارس إلى كُرَاع الغَمِيم لتسمع به قريش ، ثم رجع إلى المدينة ‏.‏

وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة ‏.‏


النشاط العسكري بعد غزوة بني قريضة - متابعة البعوث والسرايا



ثم تابع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في إرسال البعوث والسرايا، وهاك صورة مصغرة منها‏ :‏

1 ـ سرية عُكَّاشَة بن مِحْصَن إلى الغَمْر في ربيع الأول أو الآخر سنة 6هـ ‏.‏ خرج عكاشة في أربعين رجلاً إلى الغمْر ، ماء لبني أسد ، ففر القوم ، وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة ‏.‏

2 ـ سرية محمد بن مَسْلَمَة إلى ذي القَصَّة في ربيع الأول أو الآخر سنة 6 هـ‏ .‏ خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى ذي القصة في ديار بني ثعلبة ، فكمن القوم لهم ـ وهم مائة ـ فلما ناموا قتلوهم إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهم جريحاً‏ .‏

3 ـ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة 6 هـ، وقد بعثه النبي(صلى الله عليه وسلم) على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة ، فخرج ومعه أربعون رجلاً إلى مصارعهم ، فساروا ليلتهم مشاة ، ووافوا بني ثعلبة مع الصبح فأغاروا عليهم ، فأعجزوهم هرباً في الجبال ، وأصابوا رجلاً واحداً فأسلم ، وغنموا نَعَما وشاء ‏.‏

4 ـ سرية زيد بن حارثة إلى الجَمُوم في ربيع الآخر سنة 6هـ ـ والجموم ماء لبني سليم في مَرِّ الظَّهْرَان ـ خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مُزَيْنَة يقال لها ‏:‏ حليمة ، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعما وشاء وأسرى ، فلما قفل زيد بما أصاب وهب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) للمزينية نفسها وزوجها ‏.‏

5 ـ سرية زيد إلى العِيص في جمادى الأولى سنة 6 هـ في سبعين ومائة راكب ، وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص خَتَن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏. ‏وأفلت أبو العاص ، فأتي زينب فاستجار بها ، وسألها أن تطلب من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رد أموال العير عليه ففعلت ، وأشار رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم ، فردوا الكثير والقليل والكبير والصغير حتى رجع أبو العاص إلى مكة ، وأدي الودائع إلى أهلها ، ثم أسلم وهاجر ، فرد عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) زينب بالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف ، كما ثبت في الحديث الصحيح ردهــا بالنـكاح الأول ، لأن آيــة تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك ، وأما ما ورد من الحديث من أنه رد عليه بنكاح جديد ، أو رد عليه بعد ست سنين فلا يصح معنى ، كما أنـــه ليـس بصحـيح سنداً‏ .‏ والعجب ممن يتمسكون بهذا الحديث الضعيف فإنهم يقولون‏ :‏ إن أبا العاص أسلم في أواخر سنة ثمان قبيل الفتح‏ .‏ ثم يناقضون أنفسهم ، فيقولون‏ :‏ إن زينب ماتت في أوائل سنة ثمان ، وقد بسطنا الكلام شيئاً في تعليقنا على بلوغ المرام‏ .‏ وجنح موسى بن عقبة إلى أن هذا الحادث وقع في سنة 7هـ من قبل أبي بصير وأصحابه ، ولكن ذلك لا يطابق الحديث الصحيح ولا الضعيف‏ .‏

6 ـ سرية زيد أيضاً إلى الطَّرِف أو الطَّرِق في جمادى الآخر سنة 6 هـ ‏.‏ خرج زيد في خمسة عشر رجلاً إلى بني ثعلبة فهربت الأعراب ، وخافوا أن يكون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سار إليهم ، فأصاب من نَعَمِهِم عشرين بعيراً ، وغاب أربع ليال ‏.‏

7 ـ سرية زيد أيضاً إلى وادي القرى في رجب سنة 6 هـ‏ .‏ خرج زيد في اثني عشر رجلاً إلى وادي القرى ، لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك ، فهجم عليهم سكان وادي القرى ، فقتلوا تسعة ، وأفلتت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة‏ .‏

(صلى الله عليه وسلم) ، ولكن السياق يدل على أنها كانت قبل الحديبية ـ قال جابر‏ :‏ بعثنا النبي(صلى الله عليه وسلم) في ثلاثمائة راكب ، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح ، نرصد عيراً لقريش ، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط ، فسمي جيش الخبط ، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر ، ثم نحر ثلاث جزائر ، ثم إن أبا عبيدة نهاه ، فألقي إلينا البحر دابة يقال لها ‏:‏ العَنْبَر، فأكلنا منه نصف شهر ، وادَّهَنَّا منه حتى ثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه ، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه ، ومر تحته ، وتزودنا من لحمة وَشَائِق ، فلما قدمنا المدينة ، أتينا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فذكرنا له ذلك ، فقال ‏:‏ ‏( ‏هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمة شيء تطعمونا‏ ؟ ‏‏)‏ فأرسلنا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) منه ‏.‏
وإنما قلن ا‏:‏ إن سياق هذه السرية يدل على أنها كانت قبل الحديبية ، لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية‏ .


[/center]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة بني المصطلق   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:26 am



<TABLE class=MsoNormalTable style="BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm" cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="PADDING-RIGHT: 0cm; PADDING-LEFT: 0cm; BORDER-LEFT-COLOR: #fefefe; BORDER-BOTTOM-COLOR: #fefefe; PADDING-BOTTOM: 0cm; WIDTH: 100%; BORDER-TOP-COLOR: #fefefe; PADDING-TOP: 0cm; BACKGROUND-COLOR: transparent; BORDER-RIGHT-COLOR: #fefefe" width="100%">

<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR>
<td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</TD></TR></TABLE>

<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR>
<td width="100%"></TD></TR></TABLE>
</TD></TR></TABLE>


<TABLE class=MsoNormalTable style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 74.62%; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width="74%" border=1>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">
غزوة بني المصلق أو غزوة المريسيع ( في شعبان سنة 6 هـ )
</TD></TR></TABLE>


وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل ، عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكريـة ، إلا أنها وقعـت فيـها وقـائـع أحدثـت البلبلـة والاضطـراب فـي المجتمـع الإسلامي ، وتمخضت عن افتضاح المنافقين ، والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس ‏.‏ ونسرد الغزوة أولاً ، ثم نذكر تلك الوقائع ‏.‏

كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي ، وسنة ست على قول ابن إسحاق‏ .‏





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]





وسببها أنه بلغه(صلى الله عليه وسلم) أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر ، فأتاهم ، ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ، ورجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأخبره الخبر ‏.‏

وبعد أن تأكد لديه(صلى الله عليه وسلم) صحة الخبر ندب الصحابة ، وأسرع في الخروج ، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان ، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها ، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة ، وقيل‏ :‏ أبا ذر ، وقيل ‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي ، وكان الحارث بن أبي ضرار قد وجه عينًا ، ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي ، فألقى المسلمون عليه القبض وقتلوه ‏.‏







ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وقتله عينه ، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب ، وانتهى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى المُرَيْسِيع ـ بالضم فالفتح مصغراً ، اسم لماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل ـ فتهيأوا للقتال ‏.‏ وَصَفَّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه ، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم أمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فحملوا حملة رجل واحد ، فكانت النصرة وانهزم المشركون ، وقتل من قتل ، وسبى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) النساء والذراري والنعم والشاء ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد ، قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو ‏.‏

كذا قال أهل المغازي والسير ، قال ابن القيم ‏:‏ هو وَهْم ، فإنه لم يكن بينهم قتال ، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح أغار رسول(صلى الله عليه وسلم) على بني المصطلق وهم غارون ، وذكر الحديث ‏.‏ انتهى ‏.‏

وكان من جملة السبي ‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم ، وقعت في سهم ثابت ابن قيس فكاتبها ، فـأدى عنها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وتزوجهـا ، فأعـتق المسلـمون بسبـب هـذا التزويـج مـائـة أهـل بيـت مـن بنـي المصطلق قـد أسلمـوا ، وقـالـوا ‏:‏ أصهـار رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏

وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة ، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه ، نرى أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمع الإسلامي‏ .‏



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: دور المنافقين (قبل) غزوة المصطلق   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:49 am



<TABLE class=MsoNormalTable style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #e7e7e7; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 339.05pt; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width=452 border=1>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">
غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع ( في شعبان سنة 6 هـ )
دور المنافقين قبل الغزوة
</TD></TR></TABLE>



قدمنا مراراً أن عبد الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين ، ولاسيما على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حَنَقًا شديداً ، لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته ، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام ، فصرفهم عن ابن أبي ، فكان يرى أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) هو الذي استلبه ملكه ‏.‏
وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به ‏.‏


ركب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة ، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي فخَمَّرَ ابن أبي أنفه ، وقال ‏:‏ لا تُغَبِّرُوا علينا ‏.‏ ولما تلا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على المجلس القرآن ، قال ‏:‏ اجلس في بيتك ، ولا تغشنا في مجلسنا ‏.‏



وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام ، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوًا لله ولرسوله وللمؤمنين ، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام ‏،‏ وكان يوالي أعداءه ، وقد تدخل في أمر بني قينقاع ، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين ، وإثارة الارتباك والفوضى في صفوفهم بما مضى .‏
وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام ، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله(صلى الله عليه وسلم) للخطبة ، فيقول ‏:‏ هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بين أظهركم ، أكرمكم الله وأعزكم به ، فانصروه وعزروه ، واسمعـوا لــه وأطيعوا ، ثم يجلس ، فيقوم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ويخطب ‏.‏ وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد ـ مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع ـ قام ليقول ما كان يقوله من قبل ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا له ‏:‏ اجلس أي عدو الله ، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت ، فخرج يتخطى رقاب الناس ، وهو يقول‏ :‏ والله لكأنما قلت بُجْرًا أن قمت أشدد أمره ، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد‏ فقال‏:‏ ويلك ، ارجع يستغفر لك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، قال ‏:‏ والله ما أبتغي أن يستغفر لي‏ .


وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم ‏:‏ لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، ولئن قوتلتم لننصرنكم .
وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب ‏:‏ "‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا‏ "‏ إلى قوله‏ :‏ ‏"‏ يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلاً "‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12: 20‏] ‏‏.‏





بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيداً أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد ، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين ، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الذي هو المثل الأعلى ـ إلى حد الإعجاز ـ لهذه القيم .
كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين ، أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن عن طريق استخدام السلاح ، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد ، وأن يجعلوا شخصية الرسول(صلى الله عليه وسلم) أول هدف لهذه الدعاية ‏.‏ ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين ، ولكونهم سكان المدينة ، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين ‏.‏ تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون ، وعلى رأسهم ابن أبي ‏.‏
وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بأم المؤمنين زينب بنت جحش ، بعد أن طلقها زيد بن حارثة ، فقد كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي ، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبني على الرجل الذي تبناه ، فلما تزوج النبي(صلى الله عليه وسلم) بزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن ـ حسب زعمهم ـ لإثارة المشاغب ضد النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏






الأولى‏ :‏ أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة ، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة ، فكيف صح له هذا الزواج‏؟‏
الثانية‏ :‏ أن زينب كانت زوجة ابنه ـ مُتَبَنَّاه ـ فالزواج بها من أكبر الكبائر ، حسب تقاليد العرب‏ .‏ وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل ، واختلقوا قصصاً وأساطير، قالوا‏:‏ إن محمداً رآها بغتة ، فتأثر بحسنها وشغفته حباً ، وعلقت بقلبه ، وعلم بذلك ابنه زيد فخلى سبيلها لمحمد ، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان ، وقد أثرت تلك الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور ، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله ‏:‏ ‏" ‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا "‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏] ‏‏.‏
وهذه إشارات عابرة ، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المصطلق ، وكان النبي(صلى الله عليه وسلم) يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف ، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم ، أو يتحملونه بالصبر ، إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخرى حسب قوله تعالى‏ :‏ "‏أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ "‏ ‏[‏التوبة ‏:‏126‏]‏‏ .‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: دور المنافقين (بعد) غزوة المصطلق (حديث الإفك)   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:53 am




<TABLE class=MsoNormalTable dir=rtl style="BORDER-RIGHT: medium none; BORDER-TOP: medium none; BACKGROUND: #f3f3f3; MARGIN: auto auto auto 70pt; BORDER-LEFT: medium none; WIDTH: 73.02%; BORDER-BOTTOM: medium none; BORDER-COLLAPSE: collapse; mso-padding-alt: 0cm 0cm 0cm 0cm; mso-table-dir: bidi; mso-border-alt: outset #111111 .75pt" cellSpacing=0 cellPadding=0 width="73%" border=1>

<TR style="mso-yfti-irow: 0; mso-yfti-lastrow: yes">
<td style="BORDER-RIGHT: #111111 1pt inset; PADDING-RIGHT: 0cm; BORDER-TOP: #111111 1pt inset; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; BORDER-LEFT: #111111 1pt inset; WIDTH: 100%; PADDING-TOP: 0cm; BORDER-BOTTOM: #111111 1pt inset; BACKGROUND-COLOR: transparent; mso-border-alt: inset #111111 .75pt" width="100%">
غزوة بني المصلق أو غزوة المريسيع ( في شعبان سنة 6 هـ )
دور المنافقين في الغزوة (حديث الإفك)
</TD></TR></TABLE>

ولما كانت غزوة بني المصطلق وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى‏ :‏ "‏لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ‏ "‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏ فقد وجدوا متنفسين للتنفس بالشر ، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين ، والدعاية الشنيعة ضد النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وهاك بعض التفصيل عنها ‏:‏




** قول المنافقين ‏:‏ ‏[‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ‏]‏ :
كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد الفراغ من الغزوة مقيماً على المُرَيْسِيع ، ووردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير يقال له ‏:‏ جَهْجَاه الغفاري ، فازدحم هو وسِنَان بن وَبَر الجهني على الماء فاقتتلا ، فصرخ الجهني ‏:‏ يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجاه‏ :‏ يا معشر المهاجرين ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏" ‏أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم‏؟‏ دعوها فإنها مُنْتِنَة "‏، وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول فغضب ـ وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم غلام حدث ـ وقال ‏:‏ أو قد فعلوها ، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول ‏:‏ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، ثم أقبل على من حضره فقال لهم‏ :‏ هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ‏.‏




فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر ، فأخبر عمه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعنده عمر ، فقال عمر ‏:‏ مُرْ عَبَّاد بن بشر فليقتله ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏( ‏فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ‏؟‏ لا ولكن أَذِّنْ بالرحيل ‏) ‏، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها ، فارتحل الناس ، فلقيه أسيد بن حضير فحياه ، وقال ‏:‏ لقد رحت في ساعة منكرة ‏؟‏ فقال له ‏:‏ ‏( ‏أو ما بلغك ما قال صاحبكم‏ ؟‏‏ )‏ يريد ابن أبي ، فقال‏:‏ وما قال‏ ؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ‏)‏ ، قال ‏:‏ فأنت يا رسول الله ، تخرجه منها إن شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز ، ثم قال‏ :‏ يا رسول الله ، ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه ، فإنه يري أنك استلبته ملكاً‏ .‏
ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مَـسَّ الأرض فوقعوا نياماً ‏.‏ فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث ‏.‏



أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وحلف بالله ما قلت ما قال ، ولا تكلمت به ، فقال من حضر من الأنصار ‏:‏ يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ‏.‏ فصدقه ، قال زيد ‏:‏ فأصابني هَمٌّ لم يصبني مثله قط ، فجلست في بيتي ، فأنزل الله ‏:‏ ‏" إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ"‏ إلى قوله‏:‏ ‏" هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا "‏ إلى ‏ ‏لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ‏ ‏ ‏[ ‏المنافقون‏:‏ 1 ـ 8‏ ]‏ ، فأرسل إليّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقرأها علي‏ّ .‏ ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إن الله قد صدقك ‏) ‏‏.‏
وكان ابن هذا المنافق ـ وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي ـ رجلاً صالحاً من الصحابة الأخيار ، فتبرأ من أبيه ، ووقف له على باب المدينة ، واستل سيفه ، فلما جاء ابن أبي قال له ‏:‏ والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول(صلى الله عليه وسلم) ، فإنه العزيز وأنت الذليل ، فلما جاء النبي(صلى الله عليه وسلم) أذن له فخلي سبيله ، وكان قد قال عبد الله ابن عبد الله بن أبي ‏:‏ يا رسول الله ، إن أردت قتله فمرني بذلك ، فأنا والله أحمل إليك رأسه ‏.‏






حديث الإفك
وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك ، وملخصها ‏:‏ أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها ، وكانت تلك عادته مع نسائه ، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل ، فخرجت عائشة لحاجتها ، ففقدت عقداً لأختها كانت أعارتها إياه ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها ، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هَوْدَجَها فظنوها فيه فحملوا الهودج ، ولا ينكرون خِفَّتَه ، لأنها رضي الله عنها كانت فَتِيَّةَ السن لم يَغْشَهَا اللحم الذي كان يثقلها ، وأيضاً فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته ، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين لم يخف عليهما الحال ، فرجعت عائشة إلى منازلهم ، وقد أصابت العقد ، فإذا ليس به داع ولا مجيب ، فقعدت في المنزل ، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها ، والله غالب على أمره ، يدبر الأمر من فوق عرشه كما يشاء ، فغلبتها عيناها ، فنامت ، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المُعَطَّل ‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ، زوجة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ؟‏ وكان صفوان قد عَرَس في أخريات الجيش ، لأنه كان كثير النوم ، فلما رآها عرفها ، وكان يراها قبل نزول الحجاب ، فاسترجع وأناخ راحلته ، فقربها إليها ، فركبتها ، وما كلمها كلمة واحدة ، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ، ثم سار بها يقودها ، حتى قدم بها ، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ، فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته ، وما يليق به ، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً ، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه ، فجعل يستحكي الإفك ، ويستوشيه ، ويشيعه ، ويذيعه ، ويجمعه ويفرقه ، وكان أصحابه يتقربون به إليه ، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم) ساكت لا يتكلم ، ثم استشار أصحابه ـ لما استلبث الوحي طويلاً ـ في فراقها ، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ، ويأخذ غيرها ، تلويحاً لا تصريحاً ، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها ، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء ‏.‏ فقام على المنبر يستعذ من عبد الله ابن أبي ، فأظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته في قتله فأخذت سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج ، وهي قبيلة ابن أبي ـ الحمية القبلية ، فجرى بينهما كلام تثاور له الحيان ، فخفضهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حتى سكتوا وسكت ‏.‏





أما عائشة فلما رجعت مرضت شهراً ، وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئاً ، سوي أنها كانت لا تعرف من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي ، فلما نَقِهَتْ خرجت مع أم مِسْطَح إلى البَرَاز ليلاً ، فعثرت أم مسطح في مِرْطِها ، فدعت على ابنها ، فاستنكرت ذلك عائشة منها ، فأخبرتها الخبر ، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، لتأتي أبويها وتستيقن الخبر ، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر ، فجعلت تبكي ، فبكت ليلتين ويوماً ، لم تكن تكتحل بنوم ، ولا يرقأ لها دمع ، حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها ، وجاء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في ذلك ، فتشهد وقال ‏:‏ ‏" ‏أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه‏ "‏‏.‏




وحينئذ قَلَص دمعها ، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا ، فلم يدريا ما يقولان ‏.‏ فقالت ‏:‏ والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن قلت لكم ‏:‏ إني بريئة ـ والله يعلم أني بريئة ـ لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر ـ والله يعلم أني منه بريئة ـ لتُصَدِّقنِّي ، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ، قال ‏:‏ ‏" ‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏ "‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 18‏]‏‏.‏
ثم تحولت واضطجعت ، ونزل الوحي ساعته ، فَسُرِّي عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهو يضحك ‏.‏ فكانت أول كلمة تكلم بها ‏:‏ ‏" يا عائشة، أما الله فقد برأك‏ "‏ ، فقالت لها أمها ‏:‏ قومي إليه‏ .‏‏.‏ فقالت عائشة ـ إدلالاً ببراءة ساحتها ، وثقة بمحبة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله ‏.‏
والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى ‏:‏ ‏" ‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ‏ "‏ ‏[‏ النور‏:‏ 11: 20‏]‏‏ .‏ العشر الآيات ‏.‏




وجُلِد من أهل الإفك مِسْطَح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحَمْنَة بنت جحش ، جلدوا ثمانين ثمانين، ولم يُحَدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك ، والذي تولى كبره ، إما لأن الحدود تخفيف لأهلها ، وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة ، وإما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله‏ .‏



وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلق والاضطراب عن جو المدينة ، وافتضح رأس المنافقين افتضاحاً لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك ، قال ابن إسحاق ‏:‏ وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لعمر‏:‏ ‏" ‏كيف ترى يا عمر ‏؟‏ أما والله لو قتلته يوم قلت لي ‏:‏ اقتله ، لأرعدت له أُنُف ، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته "‏‏.‏ قال عمر‏:‏ قد والله علمتُ ، لأمْر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أعظم بركة من أمري‏ .‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: البعوث والسرايا بعد غزوة المصطلق   الأربعاء فبراير 03, 2010 3:57 am




<TABLE id=AutoNumber25 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#111111 cellSpacing=0 cellPadding=0 border=0>

<TR>
<td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</TD></TR></TABLE>
1- سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدَوْمَة الجَنْدَل ، في شعبان سنة 6 هـ ‏.‏ أقعده رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بين يديه وعممه بيده ، وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب ، وقال له‏ :‏ ‏( ‏إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم ‏)‏ ، فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام ، فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تُمَاضِر بنت الأصبغ ، وهي أم أبي سلمة ، وكان أبوها رأسهم وملكهم ‏.‏
2 ـ سرية على بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفَدَك ، في شعبان سنة 6 هـ‏ .‏ وذلك أنه بلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أن بها جمعاً يريدون أن يمدوا اليهود ‏.‏ فبعث إليهم علياً في مائتي رجل ، وكان يسير الليل ويكمن النهار ، فأصاب عيناً لهم ، فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر ‏.‏ ودل العين على موضع تجمع بني سعد ، فأغار عليهم علي ، فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة ، وهربت بنو سعد بالظُّعنُ ، وكان رئيسهم وَبَر بن عُلَيْم‏ .‏
3 ـ سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى ، في رمضان سنة 6هـ ‏.‏ كان بطن من فَزَارة يريد اغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، فبعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا بكر الصديق‏ .‏ قال سَلَمَة بن الأكْوَع ‏:‏ وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة ، فوردنا الماء ، فقتل أبو بكر من قتل ، ورأيت طائفة وفيهم الذراري ، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل ، فلما رأوا السهم وقفوا ، وفيهم امرأة هي أم قِرْفَة ، عليها قَشْعٌ من أدِيم ، معها ابنتها من أحسن العرب ، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها ، فلم أكشف لها ثوبا ، وقد سأله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بنت أم قِرْفَة ، فبعث بها إلى مكة ، وفدى بها أسرى من المسلمين هناك ‏.‏
وكانت أم قرفة شيطانة تحاول اغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وجهزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لذلك ، فلاقت جزاءها ، وقتل الثلاثون ‏.‏
4 ـ سرية كُرْز بن جابر الفهري إلى العُرَنِيِّين ، في شوال سنة 6 هـ ، وذلك أن رهطاً من عُكَل وعُرَينَة أظهروا الإسلام ، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها ، فبعثهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في ذود في المراعي ، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، واستاقوا الإبل ، وكفروا بعد إسلامهم ، فبعث في طلبهم كرزاً الفهري في عشرين من الصحابة ، ودعا على العرنيين ‏:‏ ‏( ‏اللّهم أعم عليهم الطريق ، واجعلها عليهم أضيق من مَسَك ‏)‏ ، فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسَمُلَتْ أعينهم ، جزاء وقصاصاً بما فعلوا ، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا ، وحديثهم في الصحيح عن أنس ‏.‏
5- ويذكر أهل السير بعد ذلك سرية عمرو بن أمية الضَّمْرِي مع سلمة بن أبي سلمة ، في شوال سنة 6 هـ ‏.‏ أنه ذهب إلى مكة لاغتيال أبي سفيان ، لأن أبا سفيان كان أرسل أعرابياً لاغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، بيد أن المبعوثين لم ينجحا في الاغتيال ، لا هذا ، ولا ذاك ‏.‏ ويذكرون أن عمراً قتل في الطريق ثلاثة رجال ، ويقولون ‏:‏ إن عمراً أخذ جثة الشهيد خُبَيْب في هذا السفر ، والمعروف أن خبيباً استشهد بعد الرَّجِيع بأيام أو أشهر ، ووقعة الرجيع كانت في صفر سنة 4 هـ ، فلا أدري هل اختلط السفران على أهل السير ، أو كان الأمران في سفر واحد في السنة الرابعة ، وقد أنكر العلامة المنصور فوري أن تكون هذه السرية سرية حرب أو مناوشة ‏.‏ والله أعلم ‏.‏
هذه هي السرايا والغزوات بعد الأحزاب ، وبني قريظة ، لم يجر في واحدة منها قتال مرير، وإنما وقعت فيما وقعت مصادمة خفيفة ، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية ، أو تحركات تأديبية ، لإرهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد‏ .‏ ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجرى الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب ، وأن أعداء الإسلام كانت معنوياتهم في انهيار متواصل ، ولم يكن بقي لهم أمل في نجاح كسر الدعوة الإسلامية وخَضْد شوكتها ، إلا أن هذا التطور ظهر جلياً بصلح الحديبية ، فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام ، والتسجيل على بقائها في ربوع الجزيرة العربية‏ .‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: وقعة الحديبية   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:04 am


وقعة الحديبية ( في ذي القعدة سنة 6 هـ ) - سبب عمرة الحديبية)

ولما تطورت الظروف في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين ، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئاً فشيئاً ، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام ، الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام ‏.‏
أُري رسول الله(صلى اله عليه وسلم) في المنام ، وهو بالمدينة ، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام ، وأخذ مفتاح الكعبة ، وطافوا واعتمروا ، وحلق بعضهم وقصر بعضهم ، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا ، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك ، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر‏ .‏

استنفار المسلمين

واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه ، فأبطأ كثير من الأعراب ، أما هو فغسل ثيابه ، وركب ناقته القَصْواء ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نُمَيْلَة الليثي ‏.‏ وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدة سنة 6 هـ ، ومعه زوجته أم سلمة ، في ألف وأربعمائة ، ويقال ‏:‏ ألف وخمسمائة ، ولم يخرج معه بسلاح ، إلا سلاح المسافر ‏:‏ السيوف في القُرُب‏ .

المسلمون يتحركون إلى مكة

وتحرك في اتجاه مكة ، فلما كان بذي الحُلَيْفَة قَلَّد الهدي وأشْعَرَه ، وأحرم بالعمرة ، ليأمن الناس من حربه ، وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش ، حتى إذا كان قريباً من عُسْفَان أتاه عينه ، فقال ‏:‏ إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعاً ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، واستشار النبي(صلى اله عليه وسلم) أصحابه ، وقال ‏:‏ ‏" أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ‏؟‏ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين ، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله ، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ‏؟ "‏ فقال أبو بكر ‏:‏ الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ، ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، فقال النبي(صلى اله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏فروحوا‏ )‏ ، فراحوا ‏.‏ أخرجه البخاري (4179،4178)

) محاولة قريش صد المسلمين عن البيت)

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي(صلى اله عليه وسلم) عقدت مجلساً استشارياً قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن ، فبعد أن أعرض رسول الله(صلى اله عليه وسلم) عن الأحابيش ، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشاً نازلة بذي طُوَي ، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكُرَاع الغَمِيم في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة ‏.‏ وقد حاول خالد صد المسلمين ، فقام بفرسانه إزاءهم يتراآى الجيشان ‏.‏ ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون ، فقال ‏:‏ لقد كانوا على غرة ، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم ، ثم قرر أن يميل على المسلمين ـ وهم في صلاة العصر ـ ميلة واحدة ، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف ، ففاتت الفرصة خالداً‏ .‏

تبديل الطريق ومحاولة الاجتناب ع اللقاء الدامي

وأخذ رسول الله(صلى اله عليه وسلم) طريقاً وَعْرًا بين شعاب ، وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الحَمْض في طريق تخرجه على ثنية المُرَار مهبط الحديبية من أسفل مكة ، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم ماراً بالتنعيم ، تركه إلى اليسار ، فلما رأى خالد قَتَرَة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيراً لقريش ‏.‏
وسار رسول الله(صلى اله عليه وسلم) حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته ، فقال الناس‏ :‏ حَلْ حَلْ ، فألَحَّتْ ، فقالوا‏ :‏ خلأت القصواء ، فقال النبي(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل‏ "‏، ثم قال‏:‏ "‏والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " ‏، ثم زجرها فوثبت به ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية ، على ثَمَد قليل الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضاً ، فلم يلبث أن نزحوه ‏.‏ فشكوا إلى رسول الله(صلى اله عليه وسلم) العطش ، فانتزع سهماً من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا‏ .‏

بديل يتوسط رسول الله(صلى اله عليه وسلم) وقريش

ولما اطمأن رسول الله(صلى اله عليه وسلم) جاء بديل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خزاعة ، وكانت خزاعة عَيْبَة نُصْح لرسول الله(صلى اله عليه وسلم) من أهل تُهَامَة ، فقال ‏:‏ إني تركت كعب ابن لؤي ، نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العُوذ المطَافِيل ، وهم مقاتلوك وصادَوك عن البيت ‏.‏ قال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم ، ويخلوا بيني وبين الناس ، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا،وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله أمره‏ "‏‏.‏
قال بديل ‏:‏ سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشاً ، فقال ‏:‏ إني قد جئتكم من عند هذا الرجل ، وسمعته يقول قولاً ، فإن شئتم عرضته عليكم ‏.‏
فقال سفهاؤهم ‏:‏ لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء ‏.‏ وقال ذوو الرأي منهم ‏:‏ هات ما سمعته‏ .‏ قال ‏:‏ سمعته يقول كذا وكذا ، فبعثت قريش مِكْرَز بن حفص ، فلما رآه رسول الله(صلى اله عليه وسلم) قال ‏:‏ هذا رجل غادر ، فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه ، فرجع إلى قريش وأخبرهم ‏.‏
رسل قريش

ثم قال رجل من كنانة ـ اسمه الحُلَيْس بن علقمة ‏:‏ دعوني آته ‏.‏ فقالوا‏ :‏ آته ، فلما أشرف على النبي(صلى اله عليه وسلم) وأصحابه قال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏(‏ هذا فلان ، وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها‏ )‏ ، فبعثوها له ، واستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك ‏.‏ قال ‏:‏ سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، فرجع إلى أصحابه ، فقال ‏:‏ رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، وما أرى أن يصدوا ، وجرى بينه وبين قريش كلام أحفظه ‏.‏

فقال عروة بن مسعود الثقفي ‏:‏ إن هذا قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها ، ودعوني آته ، فأتاه ، فجعل يكلمه ، فقال له النبي (صلى اله عليه وسلم) نحواً من قوله لبديل ‏.‏ فقال له عروة عند ذلك‏ :‏ أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ، وإن تكن الأخرى فوالله إني لا أرى وجوها ، وإني أرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك ، قال له أبو بكر ‏:‏ امصص بَظْر اللات ، أنحن نفر عنه ‏؟‏ قال ‏:‏ من ذا ‏؟‏ قالوا ‏:‏ أبو بكر ، قال ‏:‏ أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجْزِكَ بها لأجبتك ‏.‏ وجعل يكلم النبي(صلى اله عليه وسلم) ، وكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي(صلى اله عليه وسلم) ، ومعه السيف وعليه المِغْفَرُ ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي(صلى اله عليه وسلم) ضرب يده بنعل السيف ، وقال‏ :‏ أخر يدك عن لحية رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ، فرفع عروة رأسه ، وقال ‏:‏ من ذا ‏؟‏ قالوا ‏:‏ المغيرة بن شعبة ، فقال ‏:‏ أي عُذَر ، أو لستُ أسعي في غَدْرَتِك ‏؟‏ وكان المغيرة صَحِبَ قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبـي(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏أما الإسلام فأقبلُ ، وأما المال فلست منـه فـي شيء‏ )‏ ‏( ‏وكان المغيرة ابن أخي عروة‏ ) ‏‏.‏

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله(صلى اله عليه وسلم) وتعظيمهم له ، فرجع إلى أصحابه ، فقال ‏:‏ أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ، والله إن تَنَخَّمَ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له ، وقد عرض عليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها‏.‏البخاري (2581)

هو الذي كف أيديهم عنكم

ولما رأى شباب قريش الطائشون ، الطامحون إلى الحرب ، رغبة زعمائهم في الصلح فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح ، فقرروا أن يخرجوا ليلاً ، ويتسللوا إلى معسكر المسلمين ، ويحدثوا أحداثاً تشعل نار الحرب ، وفعلاً قد قاموا بتنفيذ هذا القرار ، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلاً فهبطوا من جبل التنعيم ، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين ، غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعاً‏ .‏
ورغبة في الصلح أطلـق سراحهم النبي(صلى اله عليه وسلم) وعفا عنـهم ، وفي ذلك أنزل الله ‏:‏ "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ‏ "‏ ‏[ ‏الفتح ‏:‏ 24‏ ]‏

عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش

وحينئذ أراد رسول الله(صلى اله عليه وسلم) أن يبعث سفيراً يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر ، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم ، فاعتذر قائلاً‏ :‏ يا رسول الله ، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت ، فأرسل عثمان بن عفان ، فإن عشيرته بها ، وإنه مبلغ ما أردت ، فدعاه ، وأرسله إلى قريش ، وقال ‏:‏ أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً ، وادعهم إلى الإسلام ، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ، ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان ‏.‏
فانطلق عثمان حتى مر على قريش بِبَلْدَح ، فقالوا‏ :‏ أين تريد ‏؟‏ فقال‏ :‏ بعثني رسول الله(صلى اله عليه وسلم) بكذا وكذا ، قالوا‏ :‏ قد سمعنا ما تقول ، فانفذ لحاجتك ، وقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص ، فرحب به ثم أسرج فرسه ، فحمل عثمان على الفرس ، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة ، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش ، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت ، فرفض هذا العرض ، وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ‏.

إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان

واحتبسته قريش عندها ـ ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن ، ويبرموا أمرهم ، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة ـ وطال الاحتباس ، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل ، فقال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) لما بلغته الإشاعة ‏:‏ ‏( ‏لا نبرح حتى نناجز القوم‏ )‏ ، ثم دعا أصحابه إلى البيعة ، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا ، وبايعته جماعة على الموت ، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي ، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات ، في أول الناس ووسطهم وآخرهم ، وأخذ رسول الله (صلى اله عليه وسلم) بيد نفسه وقال ‏:‏ ‏(‏ هذه عن عثمان ‏) ‏‏.‏ ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه ، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له ‏:‏ جَدُّ بن قَيْس ‏.‏
أخذ رسول الله(صلى اله عليه وسلم) هذه البيعة تحت شجرة ، وكان عمر آخذا بيده ، ومَعْقِل بن يَسَار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله (صلى اله عليه وسلم)، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها‏ :‏ ‏" ‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ‏ "‏الآية ‏[ ‏الفتح‏ :‏ 18‏ ]‏

إبرام الصلح وبنوده

وعرفت قريش ضيق الموقف ، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح ، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً ، فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه عليه السلام قال ‏:‏ ‏( ‏قد سهل لكم أمركم ‏) ‏، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ، فجاء سهيل فتكلم طويلاً ، ثم اتفقا على قواعد الصلح ، وهي هذه ‏:‏
1- ‏ الرسول(صلى اله عليه وسلم) يرجع من عامه ، فلا يدخل مكة ، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً ، معهم سلاح الراكب ، السيوف في القُرُب ، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض ‏.‏
2-.‏ وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، يأمن فيها الناس،ويكف بعضهم عن بعض ‏.‏
3- .‏ من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق ، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق ‏.‏
4- من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه ـ أي هارباً منهم ـ رده عليهم ، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد ـ أي هارباً منه ـ لم يرد عليه ‏.‏
ثم دعا علياً ليكتب الكتاب ، فأملى عليه‏ :‏ ‏( ‏بسم الله الرحمن الرحيم ‏)‏ فقال سهيل ‏:‏ أما الرحمن فو الله لا ندري ما هو ‏؟‏ ولكن اكتب ‏:‏ باسمك اللّهم‏ .‏ فأمر النبي(صلى اله عليه وسلم) بذلك ‏.‏ ثم أملى ‏:‏ ‏( ‏هذا ما صالح عليه محمد رسول الله‏ )‏ فقال سهيل ‏:‏ لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب ‏:‏ محمد بن عبد الله فقال ‏:‏ ‏( ‏إني رسول الله وإن كذبتموني ‏)‏ ، وأمر علياً أن يكتب ‏:‏ محمد بن عبد الله ، ويمحو لفظ رسول الله ، فأبي علي أن يمحو هذا اللفظ‏ .‏ فمحاه(صلى اله عليه وسلم) بيده ، ثم تمت كتابة الصحيفة ، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ـ وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب ، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيداً لذلك الحلف القديم ـ ودخلت بنو بكر في عهد قريش ‏.‏
رد أبي جندل

وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جَنْدَل بن سهيل يَرْسُفُ في قيوده ، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين ، فقال سهيل ‏:‏ هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده فقال النبي(صلى اله عليه وسلم) ‏ :‏ ‏( ‏إنا لم نقض الكتاب بعد ‏) ‏‏.‏
فقال ‏:‏ فو الله إذا لا أقاضيك على شيء أبداً‏ .‏ فقال النبي(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏فأجزه لي ‏) ‏‏.‏ قال ‏:‏ ما أنا بمجيزه لك‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏بلى فافعل ‏) ‏، قال ‏:‏ ما أنا بفاعل ‏.‏ وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه ، وأخذ بتلابيبه وجره ، ليرده إلى المشركين ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته ‏:‏ يا معشر المسلمين ، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني‏ ؟‏ فقال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏يا أبا جندل ، اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً ، وأعطيناهم على ذلك ، وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم ‏) ‏‏.

فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول‏ :‏ اصبر يا أبا جندل ، فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب ، ويدني قائم السيف منه ، يقول عمر ‏:‏ رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، فضن الرجل بأبيه ، ونفذت القضية‏.‏
أخرجه البخاري (2581)

النحر والحلق للحل عن العمرة

ولما فرغ رسول الله(صلى اله عليه وسلم) من قضية الكتاب قال ‏:‏ ‏( ‏قوموا فانحروا ‏) ‏، فو الله ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت‏ :‏ يا رسول الله ، أتحب ذلك‏ ؟‏ اخرج ، ثم لا تكلم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ، نحر بُدْنَه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ، وكانوا نحروا البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، ونحر رسول الله(صلى اله عليه وسلم) جملاً كان لأبي جهل ، كان في أنفه بُرَةٌ من فضة ، ليغيظ به المشركين ، ودعا رسول الله(صلى اله عليه وسلم) للمحلقين ثلاثاً بالمغفرة وللمقصرين مرة‏ .‏ وفي هذا السفر أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه ، بالصيام ، أو الصدقة ، أو النسك ، في شأن كعب بن عُجْرَة ‏.‏

الاباء عن رد المهاجرات

ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية ، فرفض طلبهم هذا ، بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي ‏:‏ ‏( ‏وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ، وإن كان على دينك إلا رددته علينا ‏)‏ ، فلم تدخل النساء في العقد رأساً ‏.‏ وأنزل الله في ذلك‏ :‏ ‏" ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ‏ "‏، حتى بلغ ‏" ‏بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ "‏ ‏[ ‏الممتحنة ‏:‏ 10‏ ]‏ فكان رسول الله"‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا‏ "‏ إلخ ‏[‏ سورة الفتح ‏:‏ 1 ‏]‏ ، يمتحنهن بقوله تعالى ‏:‏ ‏" ‏إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا "‏ إلخ ‏[ ‏الممتحنة ‏:‏ 12 ‏] ‏، فمن أقرت بهذه الشروط قال لها ‏:‏ ‏( ‏قد بايعتك ‏) ‏، ثم لم يكن يردهن ‏.
وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم ‏.‏ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، تزوج بإحداهما معاوية ، وبالأخرى صفوان بن أمية‏ .

ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة

هذا هو صلح الحديبية ، ومن سبر أغوار بنوده مع خلفياته لا يشك أنه فتح عظيم للمسلمين ، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف ، بل كانت تهـدف استئصـال شأفتهم ، وتنتظر أن تشهد يوماً ما نهايتهم ، وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية وبين الناس ، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب ، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين ، وأن قريشاً لا تقدر على مقاومتهم ، ثم البند الثالث يدل بفحواه على أن قريشاً نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية ، وأنها لاتهمها الآن إلا نفسها ، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها ، فلا يهم ذلك قريشاً ، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل ‏.‏ أليس هذا فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى قريش‏ ؟‏ وفتحا مبيناً بالنسبة إلى المسلمين ‏؟‏ إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها ـ بالنسبة إلى المسلمين ـ مصادرة الأموال وإبادة الأرواح ، وإفناء الناس ، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام ، وإنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس فـي العقيدة والدين ‏" ‏فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر "‏ ‏[ ‏الكهف ‏:‏ 29‏ ] ‏‏.‏ لا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من القوات ، وقد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه ولوازمه ، وبطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين ، وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحاً كبيراً في الدعوة ، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف ‏.‏
أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين ، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب ، وإنما بدأتها قريش ، يقول الله تعالى ‏:‏ ‏" ‏وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏ "‏ ‏[‏ التوبة‏ :‏ 13‏ ]‏ ، أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيل الله ، وتعمل معهم بالمساواة ، كل من الفريقين يعمل على شاكلته ، فالعقد بوضع الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة والصد ، ودليل على فشل من بدأ بالحرب وعلى ضعفه وانهياره‏ .‏
أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام ، فهو أيضاً فشل لقريش ، وليس فيه ما يشفي قريشاً سوي أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط ‏.‏
أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين ، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط ، وهي ما في البند الرابــع ، ولـكن تلك الخلة تافهة جداً ، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين ، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلماً لا يفر عن الله ورسوله ، وعن مدينة الإسلام ، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهراً أو باطناً ، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين ، وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه ، وهذا الذي أشار إليه رسول الله(صلى اله عليه وسلم) بقوله ‏:‏ ‏( ‏إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ‏) ‏‏.‏ وأما من أسلم من أهل مكة فهو وإن لم يبق للجوئه إلى المدينة سبيل لكن أرض الله واسعة ، ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئاً ‏؟‏ وهذا الذي أشار إليه النبي بقوله‏ :‏ ‏( ‏ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً‏ ) ‏‏.‏
والأخذ بمثل هذا الاحتفاظ ، وإن كان مظهر الاعتزاز لقريش ، لكنه في الحقيقة ينبئ عن شدة انزعاج قريش وهلعهم وخَوَرِهم ، وعن شدة خوفهم على كيانهم الوثني ، وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جُرُف هار لا بد له من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ‏ .‏ وما سمح به النبي(صلى اله عليه وسلم) من أنه لا يسترد من فرّ إلى قريش من المسلمين ، فليس هذا إلا دليلاً على أنه يعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد ، ولا يخاف عليه من مثل هذا الشرط ‏.

حزن المسلمين ومناقشة عمر مع النبي(صلى اله عليه وسلم)

هذه هي حقيقة بنود هذا الصلح ، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديد ‏.‏
الأولى ‏:‏ أنه كان قد أخبرهم أنا سنأتي البيت فنطوف به، فما له يرجع ولم يطف به ‏؟‏
الثانية ‏:‏ أنه رسول الله(صلى اله عليه وسلم) وعلى الحق ، والله وعد إظهار دينه ، فما له قبل ضغط قريش ، وأعطي الدَّنِيَّةَ في الصلح ‏؟‏

كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون ، وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة ، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح‏ . ‏ولعل أعظمهم حزناً كان عمر بن الخطاب ، فقد جاء إلى النبي(صلى اله عليه وسلم) وقال‏ :‏ يا رسول الله ، ألسنا على حق وهم على باطل ‏؟‏ قـال ‏:‏ ‏( ‏بلى ‏) ‏‏.‏ قـال ‏:‏ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏بلى ‏)‏‏.‏ قال ‏:‏ ففيم نعطي الدنية في ديننا ، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏(‏ يا ابن الخطاب ، إني رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً ‏) ‏‏.‏ قال ‏:‏ أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏بلى ، فأخبرتك أنا نأتيه العام‏ ؟‏‏ )‏ قال ‏:‏ لا ‏.‏ قال ‏:‏ ‏(‏ فإنك آتيه ومطوف به ‏) ‏‏.‏
ثم انطلق عمر متغيظاً فأتى أبا بكر ، فقال له كما قال لرسول الله(صلى اله عليه وسلم) ، ورد عليه أبو بكر ، كما رد عليه رسول الله(صلى اله عليه وسلم) سواء ، وزاد ‏:‏ فاستمسك بغَرْزِه حتى تموت ، فو الله إنه لعلى الحق‏ .‏
ثم نزلت‏ :‏ "‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا‏ "‏ ‏[‏ سورة الفتح ‏:‏ 1 ‏]‏ ، فأرسل رسول الله إلى عمر فأقرأه إياه‏ .‏ فقال‏ :‏ يا رسول الله ، أو فتح هو ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم ‏) ‏‏.‏ فطابت نفسه ورجع‏ .‏
ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديداً ، قال عمر ‏:‏ فعملت لذلك أعمالاً ، مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ ، مخافة كلامي الذي تكلمت به ، حتى رجوت أن يكون خيراً‏ .‏

انحلت أزمة المستضعفين

ولما رجع رسول الله(صلى اله عليه وسلم) إلى المدينة ، واطمأن بها ، انفلت رجل من المسلمين ، ممن كان يعذب في مكة ، وهو أبو بَصِير ، رجل من ثقيف حليف لقريش ، فأرسلوا في طلبه رجلين ، وقالوا للنبي(صلى اله عليه وسلم) :‏ العهد الذي جعلت لنا‏ .‏ فدفعه النبي(صلى اله عليه وسلم) إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُلَيْفَة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين ‏:‏ والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً ، فاستله الآخر فقال ‏:‏ أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ‏ .‏ فقال أبو بصير ‏:‏ أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه ، فضربه حتى برد ‏.‏
وفر الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) حين رآه ‏:‏ ‏(‏ لقد رأى هذا ذعراً‏ ) ‏، فلما انتهى إلى النبي(صلى اله عليه وسلم) قال‏ :‏ قُتِل صاحبي ، وإني لمقتول ، فجاء أبو بصير وقال ‏:‏ يا نبي الله ، قد والله أوْفَى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم ، قال رسول الله(صلى اله عليه وسلم) ‏ :‏ ‏( ‏ويل أمه ، مِسْعَر حَرْبٍ لو كان له أحد ‏) ‏، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر ، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة ‏.‏ فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم ‏.‏
فأرسلت قريش إلى النبي(صلى اله عليه وسلم) تناشده الله والرحم لما أرسل ، فمن أتاه فهو آمن ، فأرسل النبي(صلى اله عليه وسلم) إليهم، فقدموا عليه المدينة. ‏

إسلام أبطال من قريش
وفي سنة 7 من الهجرة بعد هذا الصلح أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ، ولما حضروا عند النبـي(صلى اله عليه وسلم) قـال ‏:‏ ‏" ‏إن مكـة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها‏ "‏‏. أخرجه مسلم (1404)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: المرحلة الثانية (طور جديد)   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:10 am


المرحلة الثانية
إن صلح الحديبية كان بداية طور جديد في حياة الإسلام والمسلمين ، فقد كانت قريش أقوى قوة وأعندها وألدها في عداء الإسلام ، وبانسحابها عن ميدان الحرب إلى رحاب الأمن والسلام انكسر أقوى جناح من أجنحة الأحزاب الثلاثة ـ قريش وغَطَفَان واليهود ـ ولما كانت قريش ممثلة للوثنية ، وزعيمتهم في ربوع جزيرة العرب انخفضت حدة مشاعر الوثنيين ، وانهارت نزعاتها العدائية إلى حد كبير ، ولذلك لا نرى لغطفان استفزازاً كبيراً بعد هذه الهدنة ، وجل ما جاء منهم إنما جاء من قبل إغراء اليهود ‏.‏

أما اليهود فكانوا قد جعلوا خيبر بعد جلائهم عن يثرب وكرا للدس والتآمر ، وكانت شياطينهم تبيض هناك وتفرخ ، وتؤجج نار الفتنة ، وتغري الأعراب الضاربة حول المدينة ، وتبيت للقضاء على النبي(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ، أو لإلحاق الخسائر الفادحة بهم ، ولذلك كان أول إقدام حاسم من النبي(صلى الله عليه وسلم) بعد هذا الصلح هو شن الحرب الفاصلة على هذا الوكر ‏.‏
ثم إن هذه المرحلة التي بدأت بعد الصلح أعطت المسلمين فرصة كبيرة لنشر الدعوة الإسلامية وإبلاغها ، وقد تضاعف نشاط المسلمين في هذا المجال ، وبرز نشاطهم في هذا الوجه على نشاطهم العسكري . ولذلك نرى أن نقسم هذه المرحلة إلى قسمين ‏:‏

1 ـ النشاط في مجال الدعوة ، أو مكاتبة الملوك والأمراء ‏.‏
2 ـ النشاط العسكري‏ .

وقبل أن نتابع النشاط العسكري في هذه المرحلة ، نتناول موضوع مكاتبة الملوك والأمراء ، إذ الدعوة الإسلامية هي المقدمة طبعاً ، بل ذلك هو الهدف الذي عانى له المسلمون ما عانوه من المصائب والآلام ، والحروب والفتن ، والقلاقل والاضطرابات ‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: مكاتبة الملوك والأمراء   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:15 am


أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام‏.‏
ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له‏:‏ إنهم لا يقرءون كتابا إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة، نقشه‏:‏ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر‏:‏ محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، هــكذا‏.‏

واختار من أصحابه رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، وقد جزم العلامة المنصورفوري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام‏.‏ وفيما يلي نصوص هذه الكتب، وبعض ما تمخضت عنه‏.‏

1 ـ الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة‏:
وهذا النجاشي اسمه أصْحَمَة بن الأبْجَر، كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية الضَّمْرِي في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من الهجرة‏.‏ وقد ذكر الطبري نص الكتاب، ولكن النظر الدقيق في ذلك النص، يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ‏:‏ ‏(‏وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر‏)‏‏.‏
وروي البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وهو هذا‏:‏
(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي، الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبه ولا ولداً، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله فأسلم تسلم، ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك‏)‏‏.‏

وقد أورد المحقق الكبير الدكتور حميد الله ـ باريس ـ نص كتاب قد عثر عليه في الماضي القريب ـ بمثل ما أورده ابن القيم مع الاختلاف في كلمة فقط ـ وبذل الدكتور في تحقيق ذلك النص جهداً بليغاً، واستعان في ذلك كثيراً باكتشافات العصر الحديث، وأورد صورته في الكتاب وهو هكذا‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد‏:‏
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسي بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسي من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعو إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبل نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى‏)
‏‏.‏
وأكد الدكتور المحترم أن هذا هو نص الكتاب الذي كتبه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى النجاشي بعد الحديبية، أما صحة هذا النص فلا شك فيها بعد النظر في الدلائل، وأما أن هذا الكتاب هو الذي كتب بعد الحديبية فلا دليل عليه، والذي أورد البيهقي عن ابن إسحاق أشبه بالكتب التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وأمراء النصاري بعد الحديبية، فإن فيه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ، كما كان دأبه في تلك الكتب، وقد ورد فيه اسم الأصحمة صريحاً، وأما النص الذي أورده الدكتور حميد الله، فالأغلب عندي أنه نص الكتاب الذي كتبه النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موت أصحمة إلى خليفته، ولعل هذا هو السبب في ترك الاسم‏.‏

وهذا الترتيب ليس عندي عليه دليل قطعي سوي الشهادات الداخلية التي تؤديها نصوص هذه الكتب‏.‏ والعجب من الدكتور حميد الله أنه جزم بأن النص الذي أورده البيهقي عن ابن عباس هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أصحمة إلى خليفته مع أن اسم أصحمة وارد في هذا النص صريحاً، والعلم عند الله‏.‏
ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك، وهاك نصه‏:‏
]‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد‏:‏
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسي، فورب السماء والأرض إن عيسي لا يزيد على ما ذكرت تُفْرُوقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين‏)‏‏.‏ أخرجه مسلم (1774
)
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفراً ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر‏.‏
وتوفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك، ونعاه النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم وفاته، وصلي عليه صلاة الغائب، ولما مات وتخلف على عرشه ملك آخر كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً آخر، ولا يدري هل أسلم أم لا‏؟‏‏.‏

2 ـ الكتاب إلى المقوقس ملك مصر‏:
وكتــب النبــي صلى الله عليه وسلم إلى جُرَيْج بـن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية‏:‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبــط، ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏‏)
واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بَلْتَعَة‏.‏ فلما دخل حاطب على المقوقس قال له‏:‏ إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك‏.‏
فقال المقوقس‏:‏ إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه‏.‏
فقال حاطب‏:‏ ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سِواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصاري، ولعمري ما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، فكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به‏.‏
فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏
وأخذ كتاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم):‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد‏:‏
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلام عليك‏)‏‏.‏ نصب الراية (4/422،421
)
ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دُلْدُل، بقيت إلى زمن معاوية ، واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم‏.‏ وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري‏.‏

3 ـ الكتاب إلى كسرى ملك فارس‏:
وكتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى كسرى ملك فارس‏:‏
(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فـارس، سـلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك‏)‏‏.

واختار لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمي، فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين، ولا ندري هل بعث به عظيم البحرين رجلاً من رجالاته، أم بعث عبد الله السهمي، وأيّا ما كان فلما قرئ الكتاب على كسرى مزقه، وقال في غطرسة‏:‏ عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي، ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏مزق الله ملكه‏)‏، البخاري (8/96) وقد كان كما قال، فقد كتب كسرى إلى بَاذَان عامله على اليمن‏:‏ ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به‏.‏ فاختار باذان رجلين ممن عنده، أحدهما‏:‏ قهرمانه بانويه، وكان حاسباً كاتباً بكتاب فارس‏.‏ وثانيهما‏:‏ خرخسرو من الفرس ، وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن ينصرف معهما إلى كسري، فلما قدما المدينة، وقابلا النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال أحدهما‏:‏ إن شاهنشاه ‏[‏ملك الملوك‏]‏ كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره بأن يبعث إليك من يأتيه بك، وبعثني إليك لتنطلق معي، وقال قولاً توعده فيه، فأمرهما النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يلاقياه غداً‏.‏

وفي ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جنوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقد قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله، وأخذ الملك لنفسه، وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادي الأولي سنة سبع ، وعلم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الخبر من الوحي، فلما غدوا عليه أخبرهما بذلك‏.‏ فقالا‏:‏ هل تدري ما تقول‏؟‏ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر، أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم أخبراه ذلك عني، وقولا له‏:‏ إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى ‏!‏ وينتهي إلى منتهي الخف والحافر، وقولا له‏:‏ إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملكتك على قومك من الأبناء‏)‏، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر، وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه، وقال له شيرويه في كتابه‏:‏ انظر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك، فلا تهجه حتى يأتيك أمري‏.‏
وكان ذلك سبباً في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن‏.‏

4 ـ الكتاب إلى قيصر ملك الروم‏:
روى البخاري ـ ضمن حديث طويل ـ نص الكتاب الذي كتبه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ملك الروم هرقل، وهو هذا‏:‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ‏{‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏‏)‏ ‏[‏آل عمران‏:‏64‏]‏‏.

واختار لحمل هذا الكتاب دَحْيَة بن خليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصري، ليدفعه إلى قيصر، وقد روي البخاري عن ابن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، كانوا تجاراً بالشام، في المدة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء ، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال‏:‏ أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‏؟‏ قال أبو سفيان‏:‏ فقلت‏:‏ أنا أقربهم نسباً، فقال‏:‏ أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه‏:‏ إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا على كذباً لكذبت عليه‏.‏
ثم قال‏:‏ أول ما سألني عنه أن قال‏:‏ كيف نسبه فيكم‏؟‏ فقلت‏:‏ هو فينا ذو نسب، قال‏:‏ فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل كان من آبائه من ملك‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم‏؟‏ قلت‏:‏ بل ضعفاؤهم‏.‏ قال‏:‏ أيزيدون أم ينقصون‏؟‏ قلت‏:‏ بل يزيدون‏.‏ قال‏:‏ فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه‏:‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل يغدر‏؟‏ قلت‏:‏ لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها ـ قال‏:‏ ولم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة ـ قال‏:‏ فهل قاتلتموه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فكيف كان قتالكم إياه‏؟‏ قلت‏:‏ الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه‏.‏ قال‏:‏ ماذا يأمركم‏؟‏ قلت‏:‏ يقول‏:‏ ‏(‏اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم‏)‏، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة‏.‏
فقال للترجمان‏:‏ قل له‏:‏ سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها‏.‏ وسألتك‏:‏ هل قال أحد منكم هذا القول قبله‏؟‏ فذكرت أن لا‏.‏ قلت‏:‏ لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت‏:‏ رجل يأتسي بقول قيل قبله‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كان من آبائه من ملك‏؟‏ فذكرت أن لا‏.‏ فقلت‏:‏ فلو كان من آبائه من ملك قلت‏:‏ رجل يطلب ملك أبيه‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله‏.‏ وسألتك‏:‏ أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم‏؟‏ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل‏.‏ وسألتك‏:‏ أيزيدون أم ينقصون‏؟‏ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم‏.‏ وسألتك‏:‏ أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه‏؟‏ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب‏.‏ وسألتك‏:‏ هل يغدر‏؟‏ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر‏.‏وسألتك‏:‏ بماذا يأمر‏؟‏ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه‏.‏
ثم دعا بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقرأ، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال‏:‏ فقلت لأصحابي حين أخرجنا‏:‏ لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ، فما زلت موقنا بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام‏.‏

هذا ما رآه أبو سفيان من أثر هذا الكتاب على قيصر، وقد كان من أثره عليه أنه أجاز دحية بن خليفة الكلبي، حامل كتاب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمال وكسوة، ولما كان دحية بحِسْمَي في الطريق لقيه ناس من جُذَام، فقطعوها عليه، فلم يتركوا معه شيئاً، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يدخل بيته، فأخبره، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زيد بن حارثة إلى حسمي، وهي وراء وادي القري، في خمسمائة رجل، فشن زيد الغارة على جذام، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً، واستاق نَعَمهم ونساءهم، فأخذ من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف، والسبي مائة من النساء والصبيان‏.‏

وكان بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين قبيلة جذام موادعة، فأسرع زيد بن رِفَاعة الجذامي أحد زعماء هذه القبيلة بتقديم الاحتجاج إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان قد أسلم هو ورجال من قومه، ونصروا دحية حين قطع عليه الطريق فقبل النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وأمر برد الغنائم والسبي‏.‏
وعامة أهل المغازي يذكرون هذه السرية قبل الحديبية، وهو خطأ واضح، فإن بعث الكتـاب إلى قيـصر كـان بعد الحديبية ؛ ولذا قال ابن القيم‏:‏ هذا بعد الحديبية بلا شك‏.‏

5 ـ الكتاب إلى المنذر بن سَاوِي‏:
وكتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المنذر بن ساوي حاكم البحرين كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏[‏أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلى في ذلك أمرك‏]‏‏.‏
فكتب إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏
(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك‏.‏ ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية‏)‏‏.‏ الإصابة (8218)

6 ـ الكتاب إلى هَوْذَة بن على صاحب اليمامة‏:
وكتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى هوذة بن على صاحب اليمامة‏:‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهي الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك‏)‏‏.
واختار لحمل هذا الكتاب سَلِيط بن عمرو العامري، فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوماً أنزله وحياه، وقرأ عليه الكتاب، فرد عليه رداً دون رد، وكتب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏سن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك‏)‏، وأجاز سليطاً بجائزة، وكساه أثواباً من نسج هجر‏.‏
فقدم بذلك كله على (صلى الله عليه وسلم) فأخبره، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه فقال‏:‏ ‏(‏لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه‏)‏‏.‏ فلما انصرف رسول الله من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):‏ ‏(‏أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبي، يقتل بعدي‏)‏، فقال قائل‏:‏ يا رسول الله، من يقتله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏أنت وأصحابك‏)‏، فكان كذلك‏؟‏‏.‏ [color=black]زاد المعاد (3/608
)

7 ـ الكتاب إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني صاحب دمشق‏:
كتب إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقي لك ملكك‏)‏‏.‏
واختار لحمل هذا الكتاب شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة، ولما أبلغه الكتاب رمي به وقال‏:‏ ‏[‏من ينزع ملكي مني‏؟‏ أنا سائر إليه‏]‏، ولم يسلم‏.‏ واستأذن قيصر في حرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فثناه عن عزمه، فأجاز الحارث شجاع بن وهب بالكسوة والنفقة، ورده بالحسني‏.‏ زاد المعاد (3/608)

8 ـ الكتاب إلى ملك عُمَان‏:
وكتب النبي (صلى الله عليه وسلم) كـتاباً إلى ملـك عمان جَيْفَر وأخيه عبد ابني الجُلَنْدَي، ونصه‏:‏
‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدي، أما بعد‏:‏
فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما ‏[‏أن تقرا بالإسلام‏]‏ فإن ملككما زائل، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما‏)‏‏.


واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عمرو‏:‏ فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد ـ وكان أحلم الرجلين، وأسهلهما خلقاً ـ فقلت‏:‏ إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال‏:‏ أخي المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال‏:‏ وما تدعو إليه‏؟‏ قلت‏:‏ أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله‏.‏ قال‏:‏ يا عمرو، إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك‏؟‏ فإن لنا فيه قدوة‏.‏ قلت‏:‏ مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام‏.‏ قال‏:‏ فمتى تبعته‏؟‏ قلت‏:‏ قريباً‏.‏
فسألني أين كان إسلامك‏؟‏ قلت‏:‏ عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم‏.‏ قال‏:‏ وكيف صنع قومه بملكه‏؟‏ فقلت‏:‏ أقروه واتبعوه‏.‏ قال‏:‏ والأساقفة والرهبان تبعوه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب‏.‏ قلت‏:‏ ما كذبت، وما نستحله في ديننا، ثم قال‏:‏ ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي‏.‏قلت‏:‏ بلي، قال‏:‏ فبأي شيء علمت ذلك‏؟‏ قلت‏:‏ كان النجاشي يخرج له خرجاً، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ لا والله لو سألني درهما واحداً ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له اليَنَّاق أخوه‏:‏ أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً، ويدين بدين غيرك ديناً محدثاً‏؟‏ قال هرقل‏:‏ رجل رغب في دين، فاختاره لنفسه، ما أصنع به‏؟‏ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع‏.‏ قال‏:‏ انظر ما تقول يا عمرو‏؟‏ قلت‏:‏ والله صدقتك‏.‏

قال عبد‏:‏ فأخبرني ما الذي يأمر به وينهي عنه‏؟‏ قلت‏:‏ يأمر بطاعة الله عز وجل وينهي عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهي عن الظلم والعدوان، وعن الزنا، وعن الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب‏.‏ قال‏:‏ ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنباً‏.‏ قلت‏:‏ إنه إن أسلم مَلَّكَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم‏.‏ قال‏:‏ إن هذا لخلق حسن‏.‏ وما الصدقة‏؟‏ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات في الأموال، حتى انتهيت إلى الإبل‏.‏ قال‏:‏ يا عمرو، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعي الشجر وترد المياه‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم، فقال‏:‏ والله ما أري قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا‏.‏

قال‏:‏ فمكثت ببابه أياماً، وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوماً فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي فقال‏:‏ دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال‏:‏ تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوماً، ففض خاتمه، وقرأ حتى انتهي إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال‏:‏ ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت‏؟‏ فقلت‏:‏ تبعوه، إما راغب في الدين، وإما مقهور بالسيف‏.‏ قال‏:‏ ومن معه‏؟‏ قلت‏:‏ الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدي الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحداً بقي غيرك في هذه الحَرجَة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته توطئك الخيل وتبيد خضراءك، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال‏:‏ دعني يومي هذا، وارجع إلى غداً‏.‏

فرجعت إلى أخيه فقال‏:‏ يا عمرو، إني لأرجو أن يسلم إن لم يَضِنَّ بملكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبي أن يأذن لي‏.‏ فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال‏:‏ إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلاً ما في يدي، وهو لاتبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالاً ليس كقتال من لاقي‏.‏ قلت‏:‏ أنا خارج غداً، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال‏:‏ ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلى، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعاً، وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم، وخليا بيني وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عوناً على من خالفني‏.‏ زاد المعاد (3/605)
وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيراً عن كتب بقية الملوك، والأغلب أنه كان بعد الفتح‏.‏
وبهذه الكتب كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض، فمنهم من آمن به ومنهم من كـفر، ولكن شغل فكره هؤلاء الكافرين، وعرف لديهم باسمه ودينه‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة الغابة   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:20 am

النشاط العسكري بعد صلح الحديبية-

غزوة الغابة أو غزوة ذي قرد

هذه الغزوة حركة مطـاردة ضد فصيلة من بني فَزَارة قامت بعمل القرصنة في لِقَاحِ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
وهي أول غزوة غزاها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد الحديبية ، وقبل خيبر ‏.‏ ذكر البخاري في ترجمة باب أنها كانت قبل خيبر بثلاث ، وروى ذلك مسلم مسنداً من حديث سلمة ابن الأكوع ‏.‏ وذكر الجمهور من أهل المغازي أنها كانت قبل الحديبية ، وما في الصحيح أصح مما ذكره أهل المغازي ‏.‏

وخلاصة الروايات عن سلمة بن الأكوع بطل هذه الغزوة أنه قال ‏:‏ بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بظهره مع غلامه رَبَاح ، وأنا معه بفرس أبي طلحة ، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على الظهر ، فاستاقه أجمع ، وقتل راعيه ، فقلت ‏:‏ يا رباح ، خذ هذا الفرس فأبلغه أبا طلحة ، وأخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم قمت على أكَمَة ، واستتقبلت المدينة ، فناديت ثلاثاً‏ :‏ يا صباحاه ، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز ، أقول ‏:‏

أنا ابنُ الأكْـوَع واليـومُ يـومُ الرُّضّع

فو الله ما زلت أرميهم وأعقر به م، فإذا رجع إلى فارس جلست في أصل الشجر ، ثم رميته فتعفرت به ، حتى إذا دخلوا في تضايق الجبل علوته ، فجعلت أرديهم بالحجارة ، فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله تعالى من بعير من ظهر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلا خلفته وراء ظهري ، وخلوا بيني وبينه ، ثم اتبعتهم أرميهم ، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة ، وثلاثين رمحاً يستخفون ، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة ، يعرفها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ‏.‏ حتى أتوا متضايقاً من ثَنِيَّةٍ ، فجلسوا يتغدون ، وجلست على رأس قَرْن ، فصعد إلى منهم أربعة في الجبل ، قلت ‏:‏ هل تعرفونني ‏؟‏ أنا سلمة بن الأكوع ، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته ، ولا يطلبني فيدركني ، فرجعوا‏ .‏ فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يتخللون الشجر ، فإذا أولهم أخرم ، وعلى أثره أبو قتادة ، وعلى أثره المقداد بن الأسود ، فالتقى عبد الرحمن وأخرم ، فعقر بعبد الرحمن فرسه ، وطعنه عبد الرحمن فقتله ، وتحول على فرسه ، ولحق أبو قتادة بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، وولى القوم مدبرين ، فتبعتهم أعدو على رجلي ، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ‏:‏ ذو قَرَد ، ليشربوا منه ، وهم عطاش ، فأجليتهم عنه ، فما ذاقوا قطرة منه ، ولحقني رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والخيل عشاء ، فقلت ‏:‏ يا رسول الله ، إن القوم عطاش ، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما عندهم من السَّرْح ، وأخذت بأعناق القوم ، فقال‏ :‏ ‏(‏ يا بن الأكوع ‏.‏ ملكت فأسجح ‏)‏، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إنهم ليقرون الآن في غطفان ‏)‏‏ .‏

وقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة‏ "‏‏.‏ وأعطاني سهمين ، سهم الراجل وسهم الفارس ، وأردفني وراءه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة ‏.‏ متفق عليه
استعمل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على المدينة في هذه الغزوة ابن أم مكتوم ، وعقد اللواء للمقداد بن عمرو ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة خيبر ووادي القرى   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:23 am

غزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة 7 هـ
سبب الغزوة
كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال ، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة ‏.‏

سبب الغزوة
ولما اطمأن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة ، وهو قريش ، وأمن منه تماماً بعد صلح الحديبية أراد أن يحاسب الجناحين الباقيين ـ اليهود وقبائل نجد ـ حتى يتم الأمن والسلام ، ويسود الهدوء في المنطقة ، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه‏ .‏
ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية ، ومعدن التحرشات وإثارة الحروب ، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا‏ً .‏

أما كون خيبر بهذه الصفة ، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين ، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافقين ـ الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي ـ وبغطفان وأعراب البادية ـ الجناح الثالث من الأحزاب ـ وكانوا هم أنفسهم يتهيأون للقتال ، فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متوصلة ، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متواصلة ، وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين ، مثل سلام بن أبي الحُقَيْق ، وأسِير بن زارم ، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك ، وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب ، لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم ـ وهي قريش ـ كانت مجابهة للمسلمين ، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين ، واقترب لهم يوم الحساب‏ .‏

الخروج إلى خيبر
قال ابن إسحاق‏:‏ أقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم ، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر ‏.‏
قال المفسرون ‏:‏ إن خيبر كانت وعدا وعدها الله تعالى بقوله‏ :‏ "‏وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ‏ "‏ ‏[ ‏الفتح‏ :‏ 20 ‏]‏ يعني صلح الحديبية ، وبالمغانم الكثيرة خيبر‏ .‏
عدد الجيش الإسلامي
ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية أمر الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وسلم فيهم قائلاً‏ :‏ ‏" سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً‏ "‏ ‏[ ‏الفتح‏ :‏ 15‏] ‏‏.
فلما أراد رسول الله(صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر أعلن ألا يخرج معه إلا راغب في الجهاد ، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة ‏.‏
واستعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَةَ الغفاري ، وقال ابن إسحاق‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي ، والأول أصح عند المحققين ‏.‏

وبعد خروجه(صلى الله عليه وسلم قدم أبو هريرة المدينة مسلماً ، فوافي سباع بن عرفطة في صلاة الصبح ، فلما فرغ من صلاته أتى سباعاً فزوده ، حتى قدم على رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم ‏.‏
اتصال المنافقين باليهود
وقد قام المنافقون يعملون لليهود ، فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر ‏:‏ إن محمداً قصد قصدكم ، وتوجه إليكم ، فخذوا حذركم ، ولا تخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة ، وقوم محمد شرذمة قليلون ، عزّل ، لا سلاح معهم إلا قليل ، فلما علم ذلك أهل خيبر ، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهَوْذَة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم ، لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر ، ومظاهرين لهم على المسلمين ، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين‏ .‏

الطريق إلى خيبر

وسلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جـبل عــصر ـ بالكسر ، وقيل ‏:‏ بالتحريك ـ ثم على الصهباء ، ثم نزل على واد يقال له ‏:‏ الرجيع ، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة ، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر ، لإمداد اليهود ، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً ، فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا ، وخلوا بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم وبين خيبر ‏.‏
ثم دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش ـ وكان اسم أحدهما‏ :‏ حُسَيْل ـ ليدلاه على الطريق الأحسن ، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال ـ أي جهة الشام ـ فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام ، كما يحول بينهم وبين غطفان‏ .‏

قال أحدهما‏ :‏ أنا أدلك يا رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، فأقبل حتى انتهى إلى مفرق الطرق المتعددة وقال ‏:‏ يا رسول الله ، هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد ، فأمر أن يسمها له واحداً واحداً‏ .‏ قال‏ :‏ اسم واحد منها حزن ، فأبى النبي(صلى الله عليه وسلم من سلوكه ، قال‏ :‏ اسم الآخر شاش ، فامتنع منه أيضاً ، وقال ‏:‏ اسم الآخر حاطب ، فامتنع منه أيضاً ، قال حسيل ‏:‏ فما بقي إلا واحد ‏.‏ قال عمر ‏:‏ ما اسمه ‏؟‏ قال ‏:‏ مَرْحَب ، فاختار النبي(صلى الله عليه وسلم سلوكه ‏.‏
بعض ما وقع في الطريق
1ـ عن سلمة بن الأكوع قال ‏:‏ خرجنا مع النبي(صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً ، فقال رجل من القوم لعامر ‏:‏ يا عامر ، ألا تسمعنا من هنيهاتك‏ ؟‏ ـ وكان عامر رجلاً شاعراً ـ فنزل يحدو بالقوم ، يقول ‏:
اللهم لولا أنت ما اهتديـنا ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّينـا
فاغـفر فِدَاءً لك ما اقْتَفَيْنا وَثبِّت الأقدام إن لاقينـا
وألْـقِيــنْ سكـيـنة عــلينا إنا إذا صِـيحَ بنا أبينـا
وبالصياح عَوَّلُوا عــلينا

فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏( ‏من هذا السائق‏ )‏ قالوا ‏:‏ عامر بن الأكوع ، قال ‏:‏ ‏( ‏يرحمه الله ‏) ‏‏:‏ قال رجل من القوم ‏:‏ وجبت يا نبي الله ، لولا أمتعتنا به ‏.‏ متفق عليه
وكانوا يعرفون أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد ، وقد وقع ذلك في حرب خيبر‏ .‏
2- وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير ( الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم : "أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً ". أخرجه البخاري (3883)
3 ـ وبالصهباء من أدنى خيبر صلى النبي(صلى الله عليه وسلم العصر ، ثم دعا بالأزواد ، فلم يؤت إلا بالسَّوِيق ، فأمر به فثري ، فأكل وأكل الناس ، ثم قام إلى المغرب ، فمضمض ، ومضمض الناس ، ثم صلى ولم يتوضأ ، ثم صلى العشاء‏ .‏
الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر
وبات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر ، ولا تشعر بهم اليهود ، وكان النبي(صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح ، فلما أصبح صلى الفجر بغَلَس ، وركب المسلمون ، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ، ولا يشعرون ، بل خرجوا لأرضهم ، فلما رأوا الجيش قالوا ‏:‏ محمد، والله محمد والخَمِيس ، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏الله أكبر، خربت خيبر ، الله أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏ "‏ ‏.‏ البخاري (3876)
وكان النبي(صلى الله عليه وسلم اختار لمعسكره منزلاً ، فأتاه حباب بن المنذر فقال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله ، أم هو الرأي في الحرب ؟ قال : " بل هو الرأي " فقال : يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جداً من حسن نطاة ، جميع مقاتلي خيبر فيها ، وهم يدرون أحوالنا ، ونحن لا ندري أحوالهم ، وسهامهم تصل إلينا .
وسهامنا لا تصل إليهم ، ولا نأمن من بياتهم ، وأيضاً هذا بين النخلات ، ومكان غائر ، وأرض وخيمة ، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكراً . قال(صلى الله عليه وسلم : " الرأي ما أشرت ، ثم تحول إلى مكان آخر " .
ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال ‏:‏ ‏( ‏قفوا‏ )‏ ، فوقف الجيش ، فقال ‏:‏ ‏" ‏اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شر هذه القرية ، وشرّ أهلها ، وشر ما فيها أقدموا بسم الله ‏"سيرة ابن هشام (2/،329) التهيؤ للقتال وحصون خيبر

للقتال وحصون خيبر
ولما كانت ليلة الدخول ـ وقيل ‏:‏ بل بعد عدة محاولات ومحاربات ـ قال النبي(صلى الله عليه وسلم :‏ ‏(‏ لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ‏‏)‏ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال ‏:‏ ‏( ‏أين علي بن أبي طالب‏ ؟ ‏‏)‏ فقالوا ‏:‏ يا رسول الله ، هو يشتكي عينيه ، قال‏ :‏ ‏( ‏فأرسلوا إليه ‏)‏ ، فأتى به فبصق رسول الله(صلى الله عليه وسلم في عينيه ، ودعا له، فبرئ ، كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ، قال ‏:‏ ‏" ‏انفذ على رسلك ، حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم‏ "‏‏.‏ البخاري (3888)

وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين ، شطر فيها خمسة حصون‏ :‏
1 ـ حصن ناعم ‏.‏
2 ـ حصن الصَّعْب بن معاذ‏ .‏
3 ـ حصن قلعة الزبير ‏.‏
4 ـ حصن أبي‏ .‏
5 ـ حصن النِّزَار‏ .


والحصون الثلاثة الأولى منها كانت تقع في منطقة يقال لها ‏:‏ ‏( ‏النطاة‏ )‏ وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ‏.‏
أما الشطر الثاني ، ويعرف بالكتيبة ، ففيه ثلاثة حصون فقط‏ :‏
1 ـ حصن القَمُوص ‏( ‏وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير‏ ) ‏.‏
2 ـ حصن الوَطِيح‏ .‏
3 ـ حصن السُّلالم‏ .

وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية ، إلا أنها كانت صغيرة ، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها ‏.‏
والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها ، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال ‏.‏
بدء المعركة وفتح حصن ناعم
وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم‏ .‏
وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي ، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف‏ .‏
خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن ، ودعا اليهود إلى الإسلام ، فرفضوا هذه الدعوة ، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب ، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة ، قال سلمة بن الأكوع‏ :‏ فلما أتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول‏ :‏
قد عَلِمتْ خيبر أني مَرْحَب شَاكِي السلاح بطل مُجَرَّب
إذا الحروب أقبلتْ تَلَهَّب

فبرز له عمي عامر فقال ‏:‏
قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مُغَامِر

فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر ، وذهب عامر يسفل له ، وكان سيفه قصيرًا ، فتناول به ساق اليهودي ليضربه ، فيرجع ذُبَاب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه ، وقال فيه النبي(صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏إن له لأجرين ـ وجمع بين إصبعيه ـ إنه لجَاهِدٌ مُجَاهِد ، قَلَّ عربي مَشَى بها مِثْلَه ‏" .‏متفق عليه
ويبدو أن مرحبًا دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله ‏:‏
قد علمت خيبر أني مرحب‏ .‏‏.‏‏.‏ إلخ ، فبرز له على بن أبي طالب ‏.‏ قال سلمة ابن الأكوع‏ :‏ فقال علي ‏:‏
أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَهْ كلَيْثِ غابات كَرِيه المَنْظَرَهْ
أُوفِيهم بالصَّاع كَيْل السَّنْدَرَهْ

فضرب رأس مرحب فقتله ، ثم كان الفتح على يديه ‏.‏
ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن ، وقال ‏:‏ من أنت‏ ؟‏ فقال ‏:‏ أنا علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي ‏:‏ علوتم وما أنزل على موسى ‏.‏
ثم خرج ياسر أخو مرحب ، وهو يقول ‏:‏ من يبارز‏ ؟‏ فبرز إليه الزبير ، فقالت صفية أمه ‏:‏ يا رسول الله ، يقتل ابني ، قال ‏:‏ ‏( ‏بل ابنك يقتله ‏) ‏، فقتله الزبير ‏.‏

ودار القتال المرير حول حصن ناعم ، قتل فيه عدة سراة من اليهود ، انهارت لأجله مقاومة اليهود ، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين ، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة ، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين ، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب ، واقتحم المسلمون حصن ناعم ‏.‏
فتح حصن الصعب بن معاذ
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم ، قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري ، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام ، وفي اليوم الثالث ، دعا رسول الله(صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة‏ .‏
روى ابن إسحاق أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم ، فقالوا‏ :‏ لقد جهدنا ، وما بأيدينا من شيء ، فقال ‏:‏ ‏" ‏اللهم إنك قد عرفت حالهم ، وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غَنَاء ، وأكثرها طعامًا ووَدَكًا‏ "‏‏.‏ فغدا الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه‏ .‏ ابن هشام (2/332)
ولما ندب النبي(صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة ، ودار البراز والقتال أمام الحصن ، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس ، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات ‏.‏
ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق ، كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير ، ونصبوا القدور على النيران ، فلما علم رسول الله(صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عن لحوم الحمر الإنسية ‏.‏

فتح قلعة الزبير
وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود من كل حصون النَّطَاة إلى قلعة الزبير ، وهو حصن منيع في رأس قُلَّةٍ ، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه ، ففرض عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم الحصار ، وأقام محاصرًا ثلاثة أيام ، فجاء رجل من اليهود ، وقال ‏:‏ يا أبا القاسم ، إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا ، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض ، يخرجون بالليل ويشربون منها ، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك ، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك‏.‏
فقطع ماءهم عليهم ، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال ، قتل فيه نفر من المسلمين ، وأصيب نحو العشرة من اليهود ، وافتتحه رسول الله(صلى الله عليه وسلم .‏

فتح قلعة أبي
وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه ، وفرض المسلمون عليهم الحصار ، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلب المبارزة ، وقد قتلهما أبطال المسلمين ، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء‏ .‏
وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة ، واقتحم معه الجيش الإسلامي ، وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن ، ثم تسلل اليهود من القلعة ، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول ‏.‏

فتح حصن النزار
كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر ، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة ، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ، ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء ، بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع الأربعة السابقة ‏.‏
وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار ، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلاً للاقتحام فيه‏ ،‏ أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن ، وللاشتباك مع قوات المسلمين ، ولكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال ، وبإلقاء الحجارة ‏.‏

وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين ، أمر النبي(صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق ، ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف ، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن ، واقتحموه ، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة ، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى ، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم‏ .‏
وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر ، وهي ناحية النَّطَاة والشَّقِّ ، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون ، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر‏ .‏

فتح الشطر الثاني من خيبر
ولما أتم رسول الله(صلى الله عليه وسلم فتح ناحية النطاة والشق ، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص ‏:‏ حصن بني أبي الحُقَيْق من بني النضير ، وحصن الوَطِيح والسُّلالم ، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاة والشق ، وتحصن هؤلاء أشد التحصن ‏.‏
واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا‏ ؟‏ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص ، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام ‏.‏
أما الواقدي ، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاث إنما أخذت بعد المفاوضة ، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال ، وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال ‏.‏

ومهما كان ، فلما أتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية ـ الكتيبة ـ فرض على أهلها أشد الحصار ، ودام الحصار أربعة عشر يومًا ، واليهود لا يخرجون من حصونهم ، حتى همّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق ، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله(صلى الله عليه وسلم الصلح ‏.
المفاوضة
وأرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏ :‏ أنزل فأكلمك ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم ‏)‏ ، فنزل ، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم من المقاتلة ، وترك الذرية لهم ، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ، ويخلون بين رسول الله(صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض ، وعلى الصفراء والبيضاء ـ أي الذهب والفضة ـ والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏" ‏وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا‏ً "‏، زاد المعاد (3/289) فصالحوه على ذلك ، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين ، وبذلك تم فتح خيبر‏ .‏

قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد
على رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالاً كثيراً ، غيبا مَسْكًا فيه مال وحُلُي لحيي بن أخطب ، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأتي رسول الله(صلى الله عليه وسلم بكِنَانة الربيع ، وكان عنده كنز بني النضير ، فسأله عنه ، فجحد أن يكون يعرف مكانه ، فأتى رجل من اليهود فقال ‏:‏ إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم لكنانة ‏:‏ ‏" ‏أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك‏ ؟‏ "قال ‏:‏ نعم ، فأمر بالخربة ، فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقي ، فأبى أن يؤديه‏ .‏ فدفعه إلى الزبير ، وقال ‏:‏ عذبه حتى نستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول الله(صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة ـ وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم ، ألقي عليه الرحى ، وهو يستظل بالجدار فمات .‏

وذكر ابن القيم أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابني أبي الحقيق ، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة ‏.‏
وسبى رسول الله(صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق ، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول ‏.

قسمة الغنائم
وأراد رسول الله(صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر ، فقالوا ‏:‏ يا محمد ، دعنا نكون في هذه الأرض ، نصلحها ، ونقوم عليها ، فنحن أعلم بها منكم ، ولم يكن لرسول الله(صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها ، وكانوا لا يفرغون حتى يقوموا عليها ، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ، ومن كل ثمر ، ما بدا لرسول الله(صلى الله عليه وسلم أن يقرهم ، وكان عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم ‏.‏

وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا ، جمع كل سهم مائة سهم ، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم ، فكان لرسول الله(صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم ، لرسول الله(صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين ، وعزل النصف الآخر ، وهو ألف وثمانمائة سهم ، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين ، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان معهم مائتا فرس ، لكل فرس سهمان ، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم ، فصار للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم واحد .‏

ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال ‏:‏ ما شبعنا حتى فتحنا خيبر ، وما رواه عن عائشة قالت‏ :‏ لما فتحت خيبر قلنا ‏:‏ الآن نشبع من التمر ، ولما رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل ‏.

قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين
وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه‏ .‏
قال أبو موسى ‏:‏ بلغنا مخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا مهاجرين إليه ـ أنا وأخوان لي ـ في بضع وخمسين رجلاً من قومي ، ركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفرًا وأصحابه عنده ، فقال ‏:‏ إن رسول الله(صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة ، فأقيموا معنا ، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر ، فأسهم لنا ، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه ، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه ، قسم لهم معهم‏ .‏

ولما قدم جعفر على النبي(صلى الله عليه وسلم تلقاه وقَبَّلَ ما بين عينيه وقال‏ :‏ ‏" ‏والله ما أدري بأيهما أفرح ؟‏ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ‏" ‏‏.‏ اخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف
وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول(صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه ، فأرسلهم النجاشي على مركبين ، وكانوا ستة عشر رجلاً ، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم ، وبقيتهم جاءوا إلى المدينة قبل ذلك ‏.

الزواج بصفية
ذكرنا أن صفية جعلت في السبايا حين قتل زوجها كِنَانة بن أبي الحقيق لغدره ، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي ، فقال :‏ يا نبي الله ، أعطني جارية من السبي ، فقال ‏:‏ اذهب فخذ جارية ، فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم فقال‏ :‏ يا نبي الله ، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير ، لا تصلح إلا لك ، قال ‏:‏ ‏(‏ ادعوه بها‏ ) ‏‏.‏ فجاء بها ، فلما نظر إليها النبي(صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ‏( ‏خذ جارية من السبي غيرها‏ ) ‏، وعرض عليها النبي (صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت ، فأعتقها وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعًا إلى المدينة حلت ، فجهزتها له أم سليم ، فأهدتها له من الليل ، فأصبح عروسًا بها ، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسَّوِيق ، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها‏ .‏ متفق عليه
ورأى بوجهها خضرة ، فقال ‏:‏ ‏(‏ ما هذا ‏؟ ‏‏)‏ قالت ‏:‏ يا رسول الله ، رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه ، وسقط في حجري ، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئاً ، فقصصتها على زوجي ، فلطم وجهي‏ .‏ فقال ‏:‏ تمنين هذا الملك الذي بالمدينة ‏.‏

أمر الشاة المسمومة
ولما اطمأن رسول الله(صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث ، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم ، شاة مَصْلِيَّةً ، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ فقيل لها ‏:‏ الذراع ، فأكثرت فيها من السم ، ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم تناول الذراع ، فَلاَكَ منها مضغة فلم يسغها ، ولفظها ، ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ‏) ‏، ثم دعا بها فاعترفت ، فقال ‏:‏ ‏( ‏ما حملك على ذلك ‏؟ ‏‏)‏ قالت ‏:‏ قلت ‏:‏ إن كان ملكًا استرحت منه ، وإن كان نبيًا فسيخبر ، فتجاوز عنها‏ .‏ البخاري (3169)
وكان معه بِشْر بن البراء بن مَعْرُور ، أخذ منها أكلة فأساغها ، فمات منها‏ .‏
واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها ، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولاً ، فلما مات بشر قتلها قصاصاً ‏.

قتلى الفريقين في معارك خيبر
وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً ، أربعة من قريش وواحد من أشْجَع ، وواحد من أسْلَم ، وواحد من أهل خيبر والباقون من الأنصار ‏.‏
ويقال‏ :‏ إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 81 رجلاً‏ .‏
وذكر العلامة المنصور فوري 91 رجلاً، ثم قال‏:‏ إني وجدت بعد التفحص 32 اسماً ، واحد منها في الطبري فقط ، وواحد عند الواقدي فقط ، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة ، وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر ، والصحيح أنه قتل في بدر ‏.‏
أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً‏ .‏


يهود فدك
ولما بلغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى خيبر، بعث مُحَيِّصَة بن مسعود إلى يهود فَدَك ، ليدعوهم إلى الإسلام ، فأبطأوا عليه ، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم ، فبعثوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما عامل عليه أهل خيبر ، فقبل ذلك منهم ، فكانت فدك لرسول الله(صلى الله عليه وسلم خالصة ، لأنه لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ‏.

وادي القرى
ولما فرغ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من خيبر، انصرف إلى وادي القرى ، وكان بها جماعة من اليهود ، وانضاف إليهم جماعة من العرب ‏.‏
فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي ، وهم على تعبئة ، فقتل مِدْعَم ـ عَبْدٌ لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ فقال الناس ‏:‏ هنيئا له الجنة ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ "‏كلا ، والذي نفسي بيده ، إن الشَّمْلَة التي أخذها يوم خيبر من المغانم ، لم تصبها المقاسم ، لتشتعل عليه نارًا‏ "‏ ، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) بشِرَاك أو شراكين ، فقال النبي(صلى الله عليه وسلم) :‏ "‏شراك من نار أو شراكان من نار "‏‏.‏ البخاري (3908)
ثم عَبَّأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه للقتال ، وصَفَّهم ، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة ، وراية إلى الحُبَاب بن المنذر ، وراية إلى سهل بن حُنَيْف ، وراية إلى عباد بن بشر ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ، وبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله ، ثم برز آخر فقتله ، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً ، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام ‏.‏

وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم ، فيصلي بأصحابه ، ثم يعود ، فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله ، فقاتلهم حتى أمسوا ، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم ، وفتحها عنوة ، وغَنَّمَهُ اللهُ أموالهم ، وأصابوا أثاثا ومتاعًا كثيرًا‏ .‏
وأقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بوادي القري أربعة أيام ‏.، وقسم على أصحابه ما أصاب بها ، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود ، وعاملهم عليها ـ كما عامل أهل خيبر ‏.‏

تيماء
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فَدَك ووادي القُرَى ، لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين ، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح ، فقبل ذلك منهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وأقاموا بأموالهم‏ .‏،وكتب لهم بذلك كتاباً وهاك نصه‏ :‏
هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا ، أن لهم الذمة ، وعليهم الجزية ، ولا عداء ولا جلاء ، الليل مد ، والنهار شد ، وكتب خالد بن سعيد ‏.‏

العودة إلى المدينة
ثم أخذ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في العودة إلى المدينة ، وفي مرجعه ذلك سار النبي (صلى الله عليه وسلم)ليلة ، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق، وقال لبلال ‏:‏ ‏( ‏اكلأ لنا الليل ‏) ‏، فغلبت بلالاً عيناه ، وهو مستند إلى راحلته ، فلم يستيقظ أحد ، حتى ضربتهم الشمس ، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثم خرج من ذلك الوادي ، وتقدم ، ثم صلى الفجر بالناس ، وقيل ‏:‏ إن هذه القصة في غير هذا السفر‏.‏
وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر ، يبدو أن رجوع النبي(صلى الله عليه وسلم) كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7 هـ‏ .‏

سرية أبان بن سعيد
كان النبي(صلى الله عليه وسلم) يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاء المدينة تماماً بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم قطعًا ، بينما الأعراب ضاربة حولها ، تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة ، ولذلك أرسل سرية إلى نجد لإرهاب الأعراب تحت قيادة أبان بن سعيد ، بينما كان هو إلى خيبر ، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجبًا عليه ، فوافى النبي (صلى الله عليه وسلم)بخيبر ، وقد افتتحها‏ .‏
والأغلب أن هذه السرية كانت في صفر سنة 7هـ ، وقد ورد ذكرها في البخاري ‏.‏
قال ابن حجر‏:‏ لم أعرف حال هذه السرية‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة ذات الرقاع   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:28 am

غزوة ذات الرقاع

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
ولما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من كسر جناحين قويين من أجنحة الأحزاب الثلاثة تفرغ تمامًا للالتفات إلى الجناح الثالث ، أي إلى الأعراب القساة الضاربين في فيافي نجد ، والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين آونة وأخرى ‏.‏

ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة ، ولم يكونوا يقطنون الحصون والقلاع ، كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تمامًا تزداد بكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر ، ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلا حملات التأديب والإرهاب ، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخرى ‏.‏

ولفرض الشوكة ـ أو لاجتماع البدو الذين كانوا يتحشدون للإغارة على أطراف المدينة ـ قام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحملة تأديبية عرفت بغزوة ذات الرقاع ‏.‏
وعامة أهل المغازي يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة ، ولكن حضور أبي موسى الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما في هذه الغزوة يدل على وقوعها بعد خيبر ، والأغلب أنها وقعت في شهر ربيع الأول سنة 7 هـ‏ .‏


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
وملخص ما ذكره أهل السير حول هذه الغزوة‏ :‏ أن النبي(صلى الله عليه وسلم) سمع باجتماع بني أنمار أو بني ثعلبة وبني مُحَارِب من غطفان ، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه ، واستعمل على المدينة أبا ذر أو عثمان بن عفان رضي الله عنهما ، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له ‏:‏ نخل ، على بعد يومين من المدينة ، ولقي جمعاً من غطفان ، فتقاربوا وأخاف بعضهم بعضاً ولم يكن بينهم قتال ، إلا أنه صلي بهم يومئذ صلاة الخوف ‏. ‏وفي رواية البخاري ‏:‏ وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخري ركعتين ، وكان للنبي(صلى الله عليه وسلم) أربع ، وللقوم ركعتان ‏.


وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال ‏:‏ خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه ، فنقبت أقدامنا ، ونقبت قدماي ، وسقطت أظفاري ، فكنا نلف على أرجلنا الخرق ، فسميت ذات الرقاع ، لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا ‏.‏

وفيه عن جابر‏:‏ كنا مع النبي(صلى الله عليه وسلم) بذات الرقاع ، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي(صلى الله عليه وسلم) ، فنزل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فتفرق الناس في العضاة ، يستظلون بالشجر ، ونزل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) تحت شجرة فعلق بها سيفه ‏.‏ قال جابر ‏:‏ فنمنا نومة ، فجاء رجل من المشركين ‏:‏ فاخترط سيف رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏ :‏ أتخافني‏ ؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏لا ‏) ‏، قال ‏:‏ فمن يمنعك مني ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏الله ‏)‏ ‏.‏ قال جابر ‏:‏ فإذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يدعونا ، فجئنا ، فإذا عنده أعرابي جالس ‏.‏ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا‏ .‏ فقال لي‏ :‏ من يمنعك مني ‏؟‏ قلت ‏:‏ الله ، فها هو ذا جالس‏ ) ‏، ثم لم يعاتبه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ وفي رواية أبي عوانة ‏:‏ فسقط السيف من يده ، فأخذه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال‏ :‏ ‏( ‏من يمنعك مني ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ كـن خـير آخـذ ، قال‏ :‏ ‏( ‏تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ‏؟ ‏‏)‏ قال الأعرابي‏ :‏ أعاهدك على ألا أقاتلك ، ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، قال‏ :‏ فخلى سبيله ، فجاء إلى قومه ، فقال ‏:‏ جئتكم من عند خير الناس ‏.‏

وفي رواية البخاري‏: ‏ قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر ‏:‏ اسم الرجل غَوْرَث ابن الحارث ‏. ‏قال ابن حجر ‏:‏ ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة ‏:‏ أن اسم الأعرابي دُعْثُور ، وأنه أسلم ، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين ‏.‏ والله أعلم ‏.‏
وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة من المشركين ، فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دماً في أصحاب محمد(صلى الله عليه وسلم) ، فجاء ليلاً ، وقد أرصد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) رجلين رَبِيئة للمسلمين من العدو ، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر ، فضرب عباداً ، وهو قائم يصلي ، بسهم فنزعه ، ولم يبطل صلاته ، حتى رشقه بثلاثة أسهم ، فلم ينصرف منها حتى سلم ، فأيقظ صاحبه ، فقال‏ :‏ سبحان الله ‏!‏ هلا نبهتني ، فقال‏ :‏ إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها‏ .‏


كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة ، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة ، بل استكانت شيئاً فشيئاً حتى استسلمت ، بل وأسلمت ، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة ، وتغزو حُنَيْناً ، وتأخذ من غنائمها ، ويبعث إليها المصدقون فتعطي صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح ، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب ، وساد المنطقة الأمن والسلام ، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل ، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة ، لأن الظروف في داخل البلاد كانت قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين ‏.‏

وبعد الرجوع من هذه الغزوة أقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلى شوال سنة 7 هـ‏ .‏
وبعث في خلال ذلك عدة سرايا‏ ،‏ وهاك بعض تفصيلها‏ :‏


1 ـ سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني المُلَوَّح بُقدَيْد ، في صفر أو ربيع الأول سنة 7 هـ ‏.‏ كان بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سُوَيْد ، فبعثت هذه السرية لأخذ الثأر ، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا ، وساقوا النعم ، وطاردهم جيش كبير من العدو ، حتى إذا قرب من المسلمين نزل مطر ، فجاء سيل عظيم حال بين الفريقين ‏.‏ ونجح المسلمون في بقية الانسحاب ‏.‏

2 ـ سرية حِسْمَى ، في جمادى الثانية سنة 7 هـ ، وقد مضى ذكرها في مكاتبة الملوك‏ .‏

3 ـ سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة ، في شعبان سنة 7 هـ ، ومعه ثلاثون رجلاً‏ .‏ كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار ، وأتى الخبر إلى هوازن فهربوا ، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحداً ، فانصرف راجعاً إلى المدينة ‏.‏

4 ـ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فَدَك ، في شعبان سنة 7هـ في ثلاثين رجلاً ‏.‏ خرج إليهم واستاق الشاء والنعم ، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل ، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه ، فقتلوا جميعاً إلا بشير ، فإنه ارْتُثَّ إلى فدك ، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه ، فرجع إلى المدينة‏ .‏

5 ـ سرية غالب بن عبد الله الليثي ، في رمضان سنة 7 هـ إلى بني عُوَال وبني عبد ابن ثعلبة بالمَيْفَعَة ، وقيل إلى الحُرَقَات من جُهَيْنَة ، في مائة وثلاثين رجلاً ، فهجموا عليهم جميعاً ، وقتلوا من أشرف لهم ، واستاقوا نعما وشاء ، وفي هذه السرية قتل أسامةُ بن زيد نَهِيكَ بن مِرْدَاس بعد أن قال ‏:‏ لا إله إلا الله ، فلما قدموا وأخبر النبي(صلى الله عليه وسلم) ، كبر عليه وقال ‏:‏ ‏( ‏أقتلته بعد ما قال ‏:‏ لا إله إلا الله‏ ؟‏ ‏)‏ فقال ‏:‏ إنما قالها متعوذاً قال ‏:‏ ‏( ‏فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب‏ ؟‏‏ ) ‏‏.‏
متفق عليه
6 ـ سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر ، في شوال سنة 7 هـ في ثلاثين راكبًا‏ .‏ وذلك أن أسِير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين ، فأخرجوا أسيرًا في ثلاثين من أصحابه ، وأطمعوه أن الرسول(صلى الله عليه وسلم) يستعمله على خيبر ، فلما كانوا بقَرْقَرَة نِيَار وقع بين الفريقين سوء ظن أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين‏ .‏ ذكر الواقدي هذه السرية في شوال سنة ست قبل خيبر بأشهر ‏.‏

7 ـ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجَبار ‏[ ‏بالفتح ، أرض لغطفان ، وقيل ‏:‏ لفَزَارَة وعُذْرَة ‏] ‏، في شوال سنة 7 هـ في ثلاثمائة من المسلمين ، للقاء جمع كبير تجمعوا للإغارة على أطراف المدينة ، فساروا الليل وكمنوا النهار ، فلما بلغهم مسير بشير هربوا ، وأصاب بشير نعما كثيرة ، وأسر رجلين ، فقدم بهما المدينة إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأسلما ‏.‏

8 ـ سرية أبي حَدْرَد الأسلمي إلى الغابة ، ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة القضاء ، وملخصها ‏:‏ أن رجلاً من جُشَم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة ، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين ‏.‏ فبعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أبا حدرد مع رجلين ليأتوا منه بخبر وعلم ، فوصلوا إلى القوم مع غروب الشمس ، فكمن أبو حدرد في ناحية ، وصاحباه في ناحية أخرى ، وأبطأ على القوم راعيهم حتى ذهبت فحمة العشاء ، فقام رئيس القوم وحده ، فلما مر بأبي حدرد رماه بسهم في فؤاده فسقط ولم يتكلم ، فاحتز أبو حدرد رأسه ، وشد في ناحية العسكر ، وكبر ، وكبر صاحباه وشدا ، فما كان من القوم إلا الفرار ، واستاق المسلمون الثلاثة الكثير من الإبل والغنم ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: عمرة القضاء   الأربعاء فبراير 03, 2010 4:35 am

قال الحاكم ‏:‏ تواترت الأخبار أنه (صلى الله عليه وسلم) لما هَلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم ، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية ، فخرجوا إلا من استشهد ، وخرج معه آخرون معتمرين ، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان‏ .

واستخلف على المدينة عُوَيف بن الأضْبَط الدِّيلي ، أو أبا رُهْم الغفاري ، وساق ستين بدنة ، وجعل عليها ناجية بن جُنْدُب الأسلمي ، وأحرم للعمرة من ذي الحُلَيْفَة ، ولبى ، ولبى المسلمون معه ، وخرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة ، خشية أن يقع من قريش غدر ، فلما بلغ يَأجُج وضع الأداة كلها ‏:‏ الحَجَف والمِجَانّ والنَّبْل والرِّماح ، وخلف عليها أوس بن خَوْلِي الأنصاري في مائتي رجل ، ودخل بسلاح الراكب ‏:‏ السيوف في القُرُب ‏.‏
وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عند الدخول راكباً على ناقته القَصْواء ، والمسلمون متوشحون السيوف ، محدقون برسول الله(صلى الله عليه وسلم) يلبون ‏.‏
وخـرج المشركـون إلى جبل قُعَيْقِعَان ـ الجبل الذي في شمال الكعبة ـ ليروا المسلمين ، وقد قالوا فيما بينهم ‏:‏ إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب ، فأمر النبي(صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ‏.‏ ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم ، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع ، أي أن يكشفوا المناكب اليمنى ، ويضعوا طرفي الرداء على اليسرى .‏

ودخل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مكة من الثنية التي تطلعه على الحَجُون ـ وقد صف المشركون ينظرون إليه ـ فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمِحْجَنِه ، ثم طاف ، وطاف المسلمون ، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يرتجز متوشحاً بالسيف‏ :‏

خلوا بني الكفار عن سبيله خلـوا فكـل الخير في رسولـــه
قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله
يـارب إني مؤمن بقيـله إني رأيـــت الحـــق فــي قبــولـــه
بأن خير القتل في سبيـله اليـــوم نضربكــم على تـنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويـذهـل الخـليـــل عن خليلـه

وفي حديث أنس فقال عمر‏:‏ يا ابن رواحة ، بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وفي حرم الله تقول الشعر ‏؟‏ فقال له النبي(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏خَلِّ عنه يا عمر ، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل ‏" ‏‏.‏ أخرجه الترمذي (2847) وصححه الألباني
ورَمَلَ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمون ثلاثة أشواط ، فلما رآهم المشركون قالوا‏ :‏ هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ، هؤلاء أجلد من كذا وكذا ‏.‏
ولما فرغ من الطواف سعى بين الصفا والمروة ، فلما فرغ من السعي ، وقد وقف الهدي عند المروة ، قال ‏:‏ ‏( ‏هذا المنحر ، وكل فجاج مكة منحر‏ )‏ ، فنحر عند المروة ، وحلق هناك ، وكذلك فعل المسلمون ، ثم بعث ناساً إلى يَأْجُج ، ليقيموا على السلاح ، ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا ‏.‏

وأقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بمكة ثلاثاً ، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا علياً فقالوا ‏:‏ قل لصاحبك ‏:‏ اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبي(صلى الله عليه وسلم) ، ونزل بسَرِف فأقام بها‏ .‏
ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة ، تنادي ، يا عم يا عم ، فتناولها علي ، واختصم فيها علي وجعفر وزيد ، فقضى النبي (صلى الله عليه وسلم لجعفر ، لأن خالتها كانت تحته ‏.‏
وفي هذه العمرة تزوج النبي(صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث العامرية ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة ، فجعلت أمرها إلى العباس ، وكانت أختها أم الفضل تحته ، فزوجها إياه ، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمشي ، فبنى بها بسرف ‏.‏
وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء ، إما لأنها كانت قضاء عن عمرة الحُدَيْبِيَة ، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة ـ أي المصالحة ـ التي وقعت في الحديبية ، والوجه الثاني رجحه المحققون ، وهذه العمرة تسمي بأربعة أسماء‏ :‏ القضاء، والقَضِيَّة ، والقصاص ، والصُّلح ‏.‏

وقــد أرسل رسول الله(صلى الله عليه وسلم بعد الرجـوع مـن هذه العمرة عدة سرايا، وهي كما يلي‏ :‏

1 ـ سرية ابن أبي العوجاء ، في ذي الحجة سنة 7 هـ في خمسين رجلاً‏ .‏ بعثه رسول الله(صلى الله عليه وسلم إلى بني سُلَيْم ، ليدعوهم إلى الإسلام ، فقالوا‏ :‏ لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا ، ثم قاتلوا قتالاً شديداً‏ .‏ جرح فيه أبو العوجاء ، وأسر رجلان من العدو ‏.‏

2 ـ سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفَدَك ، في صفر سنة 8 هـ‏ .‏ بعث في مائتي رجل ، فأصابوا من العدو نعماً ، وقتلوا منهم قتلى .‏

3 ـ سرية ذات أطلح في ربيع الأول سنة 8 هـ‏ .‏ كانت بنو قُضَاعَة قد حشدت جموعاً كبيرة للإغارة على المسلمين ، فبعث إليهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلاً ، فلقوا العدو ، فدعوهم إلى الإسلام ، فلم يستجيبوا لهـم ، وأرشقوهم بالنبل حتى استشهد كلهم إلا رجل واحد ، فقد ارْتُثَّ من بين القتلى ‏.‏

4 ـ سرية ذات عِرْق إلى بني هوازن ، في ربيع الأول سنة 8 هـ‏ .‏ كانت بنو هوازن قد أمدت الأعداء مرة بعد أخرى فأرسل إليها شُجَاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلاً ، فاستاقوا نَعَما من العدو ، ولم يلقوا كيداً ‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: معركة مؤتة   الجمعة فبراير 05, 2010 2:40 am

معركة مؤتة


وهذه المعركة أكبر لقاء مُثْخِن ، وأعظم حرب دامية خاضها
المسلمون في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح
بلدان النصارى ، وقعت في جمادى الأولى سنة 8 هـ ، وفق أغسطس أو سبتمبر سنة
926 م ‏.‏
ومؤتة ‏( ‏بالضم فالسكون ‏)‏ هي قرية بأدنى بلقاء الشام ، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان.

سبب المعركة

وسبب
هذه المعركة أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعث الحارث بن عمير الأزدي
بكتابه إلى عظيم بُصْرَي‏ ،‏ فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ـ وكان
عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر ـ فأوثقه رباطاً ، ثم قدمه ،
فضرب عنقه ‏.‏
وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم ، يساوي بل
يزيد على إعلان حالة الحرب ، فاشتد ذلك على رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) حين نقلت إليه الأخبار ، فجهز إليهم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل
، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب ‏.‏


أمراء الجيش ووصية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إليهم

أمر رسول الله على هذا البعث زيد بن حارثة ، وقال ‏:‏ ‏" ‏إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة "‏ ، أخرجه البخاري (7/393) وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة ‏.‏ (صلى الله عليه وسلم)


وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير ، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام
، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم ، وقاتلوهم ، وقال لهم ‏:‏ ‏"
‏اغزوا بسم الله ، في سبيل الله ، مَنْ كفر بالله ، لا تغدروا ، ولا تغلوا
، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ، ولا كبيراً فانياً ، ولا منعزلاً بصومعة
، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة ، ولا تهدموا بناء ‏" ‏‏.‏

توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة


ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس ، وودعوا
أمراء رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وسلموا عليهم ، وحينئذ بكي أحد
أمراء الجيش ـ عبد الله بن رواحة ـ فقالوا ‏:‏ ما يبكيك ‏؟‏ فقال ‏:‏ أما
والله ما بي حب الدنيا ، ولا صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار‏ : ‏" ‏وَإِن مِّنكُمْ
إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا "‏ ‏[ ‏مريم ‏:
‏71 ‏] ‏، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود‏ ؟‏ فقال المسلمون ‏:‏
صحبكم الله بالسلامة ، ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين غانمين ، فقال عبد
الله بن رواحة ‏:‏


لكنني أسأل الرحمن مغفــرة
أو طعنة بيدي حران مجـهزة
حتى يقال إذا مروا على جدثي
وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
بحربة تنفذ الأحشـاء والكبدا
أرشده الله من غاز وقد رشدا


ثم خرج القوم ، وخرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع ، فوقف وودّعهم‏ .

تحرك الجيش الإسلامي ومباغتته حاله رهيبة


وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل مَعَان ،
من أرض الشام ، مما يلي الحجاز الشمالي ، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات
بأن هرقل نازل بمآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من
لَخْم وجُذَام وبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِي مائة ألف.

المجلس الاستشاري بمعان


لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش
العرمرم ـ الذي بوغتوا به في هذه الأرض البعيدة ـ وهل يهجم جيش صغير ،
قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب ، على جيش كبير عرمرم مثل البحر الخضم ،
قوامه مائتا ألف مقاتل ‏؟‏ حار المسلمون ، وأقاموا في مَعَان ليلتين
يفكرون في أمرهم ، وينظرون ويتشاورون ، ثم قالوا‏ :‏ نكتب إلى رسول
الله(صلى الله عليه وسلم) ، فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ،
وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له‏ .‏
ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا
الرأي ، وشجع الناس ، قائلاً‏ :‏ يا قوم ، والله إن التي تكرهون لَلَّتِي
خرجتم تطلبون ‏:‏ الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما
نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنما هي إحدى
الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة‏ .‏
وأخيراً استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة‏ .

الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو


وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان ،
تحركوا إلى أرض العدو ، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال
لها‏ :‏ ‏[ ‏َشَارِف ‏]‏ ثم دنا العدو ، وانحاز المسلمون إلى مؤتة ،
فعسكروا هناك ، وتعبأوا للقتال ، فجعلوا على ميمنتهم قُطْبَة بن قتادة
العُذْرِي ، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري ‏.‏


بداية القتال وتناوب القواد

وهناك
في مؤتة التقى الفريقان ، وبدأ القتال المرير ، ثلاثة آلاف رجل يواجهون
هجمات مائتي ألف مقاتل ‏.‏ معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة ،
ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب ‏.‏


أخذ الراية زيد بن حارثة ـ حِبُّ رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) ـ وجعل يقاتل بضراوة بالغة ، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في
أمثاله من أبطال الإسلام ، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم ،
وخر صريعاً‏ .‏


وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، وطفق يقاتل قتالاً
منقطع النظير ، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ، ثم
قاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، ولم يزل بها حتى قطعت شماله ،
فاحتضنها بعضديه ، فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل ‏.‏ يقال‏ :‏ إن رومياً
ضربه ضربةً قطعته نصفين ، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة ، يطير
بهما حيث يشاء ، ولذلك سمي بجعفر الطيار ، وبجعفر ذي الجناحين ‏.‏

روى
البخاري عن نافع ، أن ابن عمر أخبره‏ :‏ أنه وقف على جعفر يؤمئذ وهو قتيل
، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ، ليس منها شيء في دبره ، يعني ظهره .‏
وفي
رواية أخرى قال ابن عمر ‏:‏ كنت فيهم في تلك الغزوة ، فالتمسنا جعفر بن
أبي طالب فوجدناه في القتلى ، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة
ورمية‏ .‏ وفي رواية العمري عن نافع زيادة ‏:‏ ‏[ ‏فوجدنا ذلك فيما أقبل
من جسده ‏] ‏‏.‏


ولما قتل جعفر بعد أن قاتل بمثل هذه الضراوة والبسالة ،
أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، وتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل
نفسه ، ويتردد بعض التردد ، حتى حاد حيدة ثم قال ‏:‏
أقسـمت يـا نفــس لتنــزلنـه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة
كارهــــة أو لتــطـاوعــــــنـه
مالي أراك تكرهيــن الــجنة


ثم
نزل ، فأتاه ابن عم له بعَرْق من لحم فقال ‏:‏ شد بهذا صلبك ، فإنك قد
لقيت في أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة ، ثم ألقاه
من يده ، ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قتل ‏.‏

الراية إلى سيف من سيوف الله

وحينئذ
تقدم رجل من بني عَجْلان ـ اسمه ثابت بن أقرم ـ فأخذ الراية وقال ‏:‏ يا
معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا ‏:‏ أنت‏ .‏ قال‏ :‏ ما أنا
بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً
مريراً ، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال ‏:‏ لقد انقطعت في يدي
يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية‏ .‏ وفي لفظ آخر
‏:‏ لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية ‏.‏البخاري (4266)




وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يوم
مؤتة ـ مخبراً بالوحي ، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال‏ :‏
‏( ‏أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ
وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم‏
)‏ ‏.‏ البخاري (2/611)

نهاية المعركة

ومع
الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين ، كان مستغرباً جداً أن ينجح
هذا الجيش الصغير في الصمود أما تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوش الروم‏
،‏ ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين
مما ورطوا أنفسهم فيه‏ .‏


واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة
أخيراً‏ .‏ ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في
الصمود أمام جيش الرومان طول النهار ، في أول يوم من القتال ‏.‏ وكان يشعر
بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في
الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة‏ .‏ فقد كـان
يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون ، وقام
الرومان بالمطاردة .‏

فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش ،
وعبأه من جديد ، فجعل مقدمته ساقه ، وميمنته ميسرة ، وعلى العكس ، فلما
رآهم الأعداء أنكروا حالهم ، وقالوا‏ :‏ جاءهم مدد ، فرعبوا ، وصار خالد ـ
بعد أن تراآى الجيشان ، وتناوشا ساعة ـ يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً ،
مع حفظ نظام جيشه ، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم ،
ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء ‏.‏


وهكذا انحاز العدو إلى بلاده ، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين ونجح المسلمون في الانحياز سالمين ، حتى عادوا إلى المدينة ‏.

قتلى الفريقين

واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلاً ، أما الرومان ، فلم يعرف عدد قتلاهم ، غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم

أثر المعركة

وهذه
المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر ، الذي عانوا مرارتها لأجله ،
لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين ، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة
والحيرة ، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض ، وكانت العرب
تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف ، فكان لقاء
هذا الجيش الصغير ـ ثلاثة آلاف مقاتل ـ مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير
ـ مائتا ألف مقاتل ـ ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر‏ .‏
كان كل ذلك من عجائب الدهر ، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما
ألفته العرب وعرفته ، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله ، وأن صاحبهم
رسول الله حقاً‏ .‏

ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال
تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام ، فأسلمت بنو سُلَيْم
وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها ‏.‏
وكانت هذه المعركة
بداية اللقاء الدامي مع الرومان ، فكانت توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان
الرومانية ، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية‏ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: سرية ذات السلاسل   الجمعة فبراير 05, 2010 2:43 am

معركة مؤتة - سرية ذات السلاسل

ولما
علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بموقف القبائل العربية ـ التي تقطن
مشارف الشام ـ في معركة مؤتة من اجتماعهم إلى الرومان ضد المسلمين ، شعر
بمسيس الحاجة إلى القيام بحكمة بالغة توقع الفرقة بينها وبين الرومان ،
وتكون سبباً للائتلاف بينها وبين المسلمين ، حتى لا تتحشد مثل هذه الجموع
الكبيرة مرة أخرى ‏.‏
واختار لتنفيذ هذه الخطة عمرو بن العاص ،
لأن أم أبيه كانت امرأة من بَلِي ،.‏ فبعثه إليهم في جمادى الآخرة سنة 8
هـ على إثر معركة مؤتة ، ليستألفهم ، ويقال ‏:‏ بل نقلت الاستخبارات أن
جمعاً من قُضَاعَة قد تجمعوا ، يريدون أن يدنوا من أطراف المدينة ، فبعثه
إليه ، ويمكن أن يكون السببان اجتمعا معاً ‏.‏

وعقد رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) لعمرو بن العاص لواء أبيض ، وجعل معه راية سوداء ،
وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ، ومعهم ثلاثون فرساً ،
وأمره أن يستعين بمن مر به من بَلِي وعُذْرَةَ وبَلْقَيْن ،‏.‏ فسار الليل
وَكمَنَ النهار ، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً ، فبعث رافع
بن مَكِيثٍ الجُهَنِي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستمده ، فبعث
إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين ، وعقد له لواء ، وبعث له سراة
المهاجرين والأنصار ـ فيهم أبو بكر وعمر ـ وأمره أن يلحق بعمرو ، وأن
يكونا جميعاً ولا يختلفا ‏.‏ فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ،
فقال عمرو‏ :‏ إنما قدمت عليّ مدداً ، وأنا الأمير ، فأطاعه أبو عبيدة ،
فكان عمرو يصلي بالناس ‏.‏


وسار حتى وطئ بلاد قُضَاعَة ، فدوخها حتى أتى أقصي
بلادهم ، ولقي في آخر ذلك جمعاً ، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد
وتفرقوا ‏.‏


وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فأخبره بقفولهم وسلامتهم ، وما كان في غزاتهم ‏.‏


وذات السلاسل ‏( ‏بضم السين الأولى وفتحها‏ :‏ لغتان‏
)‏ بقعة وراء وادي القُرَى ، بينها وبين المدينة عشرة أيام ‏.‏ وذكر ابن
إسحاق أن المسلمين نزلوا على ماء بأرض جُذَام يقال له‏ :‏ السلسل ، فسمي
ذات السلاسل ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: سرية أبي قتادة إلى خضرة   الجمعة فبراير 05, 2010 2:50 am


سرية أبي قتادة إلى خضرة
كانت هذه السرية في شعبان سنة 8 هـ ، وذلك لأن بني
غَطَفَان كانوا يتحشدون في خَضِرَة ـ وهي أرض مُحَارِب بنَجْد ـ فبعث
إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا قتادة في خمسة عشر رجلاً ، فقتل
منهم ، وسَبَي وغنم ، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة‏ .‏


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة فتح مكة   الجمعة فبراير 05, 2010 2:55 am


غزوة فتح مكة
قال ابن القيم‏ :‏ هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به
دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمـين ، واستنقذ به بلــده وبيته الذي جعله هدى
للعالمين ، من أيدي الكفار والمشركين ، وهو الفتح الذي استبشر بـه أهـل
السمـاء، وضـربت أطناب عِزِّه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس به فــي
ديــن الله أفواجـاً ، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً .


سبب الغزوة

قدمنا
في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل
في عقد محمد (صلى الله عليه وسلم) وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد
قريش وعهدهم دخل فيه ، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً
من ذلك الفريق ، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على
ذلك الفريق‏ .‏
وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله(صلى
الله عليه وسلم)، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وصارت كل من القبيلتين في
أمن من الأخر ، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية ، فلما
جاء الإسلام ، ووقعت هذه الهدنة ، وأمن كل فريق من الآخر ـ اغتنمها بنو
بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم ، فخرج نَوْفَل بن معاوية
الدِّيلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ ، فأغاروا على خزاعة
ليلاً ، وهم على ماء يقال له ‏:‏ ‏[ ‏الوَتِير ‏]‏ فأصابوا منهم رجالاً ،
وتناوشوا واقتتلوا ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم رجال من
قريش مستغلين ظلمة الليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه
قالت بنو بكر ‏:‏ يا نوفل ، إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال كلمة
عظيمة ‏:‏ لا إله اليوم يا بني بكر ، أصيبوا ثأركم ‏.‏ فلعمري إنكم
لتَسرِقُون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ‏؟‏
ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي ، وإلى دار مولى لهم يقال له‏:‏ رافع‏ .‏

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي ، فخرج حتى قدم على رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) المدينة ، فوقف عليه ، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال
‏:‏
يـا رب إني نـاشـد محمـداً حـلـــف أبــيــنــا وأبيه الأتـلـدا
قـد كنـتم ولداً وكنـا والـداً ثمـة أســلمنـا ولـم ننزع يـــدا
فانصر ، هداك الله ، نصر أيداً وأدع عبــــاد الله يـأتـوا مــــددا
فيهـم رسول الله ، قـد تجردا أبيض مثل البدر ، يسمو صعدا
إن سـيم خسـفاً وجهه تربدا في فيـلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشـاً أخلفـوك الموعدا ونقـضـوا ميـثـاقـــك المـؤكـــدا
وجعـلوا لي في كداء رصـدا وزعمـوا أن لست أدعــو أحــدا
وهــم أذل ، وأقــل عـددا هـــــم بـيتــونا بـالوتـــير هجدا
وقتلونا ركعاً سجداً
فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏نصرت يا
عمرو بن سالم ‏) ‏، ثم عرضت له سحابة من السماء ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إن هذه
السحابة لتستهل بنصر بني كعب ‏) ‏‏.‏
ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء
الخزاعي في نفر من خُزَاعَة ، حتى قدموا على رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ،
ثم رجعوا إلى مكة ‏.‏ أخرجه ابن هشام في (السيرة)
(2/395،394) عن ابن إسحاق بلاسند، ووصله الطبراني في (الصغير) ص 222من
حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها بإسناد ضعيف


أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح

ولا
شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق ، لم
يكن له أي مبرر ، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها ، وخافت وشعرت بعواقبه
الوخيمة ، فعقدت مجلساً استشارياً ، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان
ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح ‏.‏
وقد أخبر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أصحابه بما
ستفعله قريش إزاء غدرتهم ‏.‏ قال :‏ ‏( ‏كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد
العَقْدَ ، ويزيد في المدة ‏) .‏
وخرج أبو سفيان ـ حسب ما قررته
قريش ـ فلقي بديل بن ورقاء بعُسْفَان ـ وهو راجع من المدينة إلى مكة ـ
فقال ‏:‏ من أين أقبلت يا بديل ‏؟‏ ـ وظن أنه أتى النبي(صلى الله عليه
وسلم) ـ فقال‏ :‏ سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي ‏.‏ قال
‏:‏ أو ما جئت محمداً‏ ؟‏ قال ‏:‏ لا‏ .‏
فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان‏ :‏ لئن كان جاء
المدينة لقد علف بها النوى ، فأتى مبرك راحلته ، فأخذ من بعرها ، ففته ،
فرأى فيها النوى ، فقال ‏:‏ أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً‏ .‏

وقدم أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على
فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طوته عنه ، فقال ‏:‏ يا بنية ، أرغبت
بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ‏؟‏ قالت‏ :‏ بل هو فراش رسول الله(صلى
الله عليه وسلم) ، وأنت رجل مشرك نجس ‏.‏ فقال ‏:‏ والله لقد أصابك بعدي
شر‏.‏
ثم خرج حتى أتى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فكلمه ، فلم
يرد عليه شيئاً ، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) ، فقال ‏:‏ ما أنا بفاعل ‏.‏ ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ،
فقال ‏:‏ أأنا أشفع لكم إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏؟‏ فو الله
لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به ، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب ،
وعنده فاطمة ، وحسن ، غلام يدب بين يديهما ، فقال‏ :‏ يا علي ، إنك أمس
القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائباً ، اشفع
لي إلى محمد ، فقال ‏:‏ ويحك يا أبا سفيان ، لقد عزم رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه‏ .‏ فالتفت إلى فاطمة ، فقال‏
:‏ هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر
الدهر ‏؟‏ قالت ‏:‏ والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس ، وما يجير
أحد على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏ . ‏
وحيئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان ، فقال لعلي
بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط ‏:‏ يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور
قد اشتدت علي ، فانصحني ، قال ‏:‏ والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك ‏.‏
ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الْحَقْ بأرضك ‏.‏ قال ‏:‏
أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً‏ ؟‏ قال‏ :‏ لا والله ما أظنه ، ولكني لم أجد
لك غير ذلك ‏.‏ فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال ‏:‏ أيها الناس ، إني قد
أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره ، وانطلق ‏.‏
ولما قدم على قريش ، قالوا ‏:‏ ما وراءك‏ ؟‏ قال ‏:‏
جئت محمداً فكلمته ، فو الله ما رد على شيئاً ، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم
أجد فيه خيراً ، ثم جئت عمر بن الخطاب ، فوجدته أدنى العدو ، ثم جئت علياً
فوجدته ألين القوم ، قد أشار علي بشيء صنعته ، فو الله ما أدري هل يغني
عني شيئاً أم لا‏ ؟‏ قالوا ‏:‏ وبم أمرك ‏؟‏ قال ‏:‏ أمرني أن أجير بين
الناس ، ففعلت ، قالوا‏ :‏ فهل أجاز ذلك محمد‏ ؟‏ قال‏ :‏ لا‏ .‏ قالوا
‏:‏ ويلك ، إن زاد الرجل على أن لعب بك ‏.‏ قال ‏:‏ لا والله ما وجدت غير
ذلك ‏.


التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء

يؤخذ
من رواية الطبراني أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أمر عائشة ـ قبل أن
يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام ـ أن تجهزه ، ولا يعلم أحد ، فدخل
عليها أبو بكر ، فقال ‏:‏ يا بنية ، ما هذا الجهاز ‏؟‏ قالت‏ :‏ والله ما
أدري ‏.‏ فقال ‏:‏ والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر ، فأين يريد رسول
الله ‏؟‏ قالت ‏:‏ والله لا علم لي ، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم
الخزاعي في أربعين راكباً ، وارتجز ‏:‏ يا رب إني ناشد محمداً‏ .‏‏.‏‏.‏
الأبيات ‏.‏ فعلم الناس بنقض الميثاق ، وبعد عمرو جاء بديل ، ثم أبو سفيان
، وتأكد عند الناس الخبر ، فأمرهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالجهاز
، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، وقال ‏:‏ ‏" ‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن
قريش حتى نبغتها في بلادها "‏‏.‏ ابن هشام (2/398،389) وعن ابن إسحاق بلا سند
وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) سرية قوامها ثمانية رجال ، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي ،
إلى بطن إضَم ، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة ، على ثلاثة بُرُد من
المدينة ، في أول شهر رمضان سنة 8 هـ ، ليظن الظان أنه(صلى الله عليه
وسلم) يتوجه إلى تلك الناحية ، ولتذهب بذلك الأخبار ، وواصلت هذه السرية
سيرها ، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
خرج إلى مكة ، فسارت إليه حتى لحقته ‏.‏
وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش كتاباً يخبرهم
بمسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إليهم ، ثم أعطاه امرأة ، وجعل لها
جُعْلاً على أن تبلغه قريشاً ، فجعلته في قرون رأسها ، ثم خرجت به ، وأتى
رسول الله(صلى الله عليه وسلم) الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث
علياً والمقداد فقال ‏:‏ ‏( ‏انطلقا حتى تأتيا رَوْضَةَ خَاخ ، فإن بها
ظعينة معها كتاب إلى قريش ‏) ‏، فانطلقا تعادى بهم خيلهما حتى وجدوا
المرأة بذلك المكان ، فاستنـزلاها ، وقالا ‏:‏ معك كتاب ‏؟‏ فقالت‏ :‏ ما
معي كتاب ، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئاً ‏.‏ فقال لها علي ‏:‏ أحلف بالله ،
ما كذب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ولا كذبنا ، والله لتخرجن الكتاب
أو لنجردنك ‏.‏ فلما رأت الجد منه قالت ‏:‏ أعرض ، فأعرض ، فحلت قرون
رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليهما ، فأتيا به رسول الله(صلى
الله عليه وسلم) ، فإذا فيه ‏:‏ ‏( ‏من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش‏ )‏
يخبرهم بمسير رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فدعا رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) حاطباً ، فقال ‏:‏ ‏( ‏ما هذا يا حطب‏ ؟ ‏‏)‏ فقال ‏:‏ لا
تَعْجَلْ على يا رسول الله‏ .‏ والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، وما ارتددت
ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ مُلْصَقـًا في قريش ، لست من أنْفَسِهم ، ولي
فيهم أهل وعشيرة وولد ، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ، وكان من معك له
قرابات يحمونهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها
قرابتي ‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏ :‏ دعني يا رسول الله أضرب عنقه ، فإنه قد
خان الله ورسوله ، وقد نافق ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏"
‏إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏
:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "‏، فذَرَفَتْ عينا عمر ، وقال ‏:‏ الله
ورسوله أعلم ‏.‏ متفق عليه
وهكذا أخذ الله العيون ، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال ‏.


الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة
ولعشر
خلون من شهر رمضان المبارك 8 هـ ، غادر رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
المدينة متجهاً إلى مكــة ، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم ،
واستخـلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري ‏.‏
ولما كان بالجُحْفَة ـ أو فوق ذلك ـ لقيه عمه العباس
بن عبد المطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً ، ثم لما كان
رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن
الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية ، فأعرض عنهما ، لما كان يلقاه
منهما من شدة الأذى والهجو ، فقالت له أم سلمة ‏:‏ لا يكن ابن عمك وابن
عمتك أشقى الناس بك‏ .‏ وقال علي لأبي سفيان بن الحارث ‏:‏ ائت رسول
الله(صلى الله عليه وسلم) من قبل وجهه ، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف‏
:‏ "‏قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا
لَخَاطِئِينَ‏ "‏ ‏[ ‏يوسف ‏:‏91‏ ] ‏، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه
قولاً‏ .‏ ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
‏:‏ "‏قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ "‏ ‏[ ‏يوسف ‏:‏92 ‏] ‏، فأنشده أبو سفيان
أبياتاً منها ‏:‏
لعمرك إني حين أحـمل رايــــة لتغلب خيل اللات خيـل مـحـمـد
لكالمدلج الحيران أظلــم ليلــه فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مــطــرد

فضرب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) صدره وقال ‏:‏ ‏" ‏أنتَ طَرَّدْتَنِي كل مُطَرَّد‏ "‏‏.‏ أخرجه الحاكم (3/44،43) وصححه ووافقه الذهبي

الجيش الإسلامي ينزل بمر الظهران
وواصل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) سيره وهو صائم ،
والناس صيام ، حتى بلغ الكُدَيْد ـ وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد ـ فأفطر
، وأفطر الناس معه‏ .‏
ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران ـ وادي
فاطمة ـ نزله عشاء ، فأمر الجيش ، فأوقدوا النيران ، فأوقدت عشرة آلاف نار
، وجعل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله
عنه .

أبو سفيان بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم(

وركب
العباس ـ بعد نزول المسلمين بمر الظهران ـ بغلة رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) البيضاء ، وخرج يلتمس ، لعله يجد بعض الحَطَّابة أو أحداً يخبر
قريشاً ليخرجوا يستأمنون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قبل أن يدخلها‏ .‏

وكان الله قد عمى الأخبار عن قريش ، فهم على وَجَلٍ
وترقب ، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار ، فكان قد خرج هو وحكيم بن
حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار ‏.‏
قال العباس‏ :‏ والله
إني لأسير عليها ـ أي على بغلة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ـ إذ سمعت
كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول ‏:‏ ما
رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً‏ .‏ قال ‏:‏ يقول بديل ‏:‏ هذه والله
خزاعة ، حَمَشَتْها الحرب ، فيقول أبو سفيان ‏:‏ خزاعة أقل وأذل من أن
تكون هذه نيرانها وعسكرها‏ .‏
قال العباس‏ :‏ فعرفت صوته ، فقلت ‏:‏ أبا حَنْظَلَة‏
؟‏ فعرف صوتي ، فقال‏ :‏ أبا الفضل ‏؟‏ قلت ‏:‏ نعم ‏.‏ قال ‏:‏ مالك ‏؟‏
فداك أبي وأمي‏ .‏ قلت ‏:‏ هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الناس ،
واصباح قريش والله‏ .‏
قال ‏:‏ فما الحيلة فداك أبي وأمي ‏؟ قلت
‏:‏ والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة ، حتى آتي بك
رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأستأمنه لك ، فركب خلفي ، ورجع صاحباه ‏.‏

قال ‏:‏ فجئت به ، فكلما مررت به على نار من نيران
المسلمين ، قالوا ‏:‏ من هذا‏ ؟‏ فإذا رأوا بغلة رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) وأنا عليها قالوا‏ :‏ عم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على بغلته‏
.‏ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال ‏:‏ من هذا ‏؟‏ وقام إلي ، فلما رأى
أبا سفيان على عجز الدابة قال ‏:‏ أبو سفيان ، عدو الله‏ ؟‏ الحمد لله
الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) ، وركضتُ البغلة فسبقت ، فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول
الله(صلى الله عليه وسلم) ، ودخل عليه عمر ، فقال ‏:‏ يا رسول الله ، هذا
أبو سفيان فدعني أضرب عنقه ، قال ‏:‏ قلت‏ :‏ يا رسول الله ، إني قد أجرته
، ثم جلست إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأخذت برأسه ، فقلت‏ :‏
والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر عمر في شأنه قلت ‏:‏ مهلاً
يا عمر ، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا ، قال ‏:‏
مهلاً يا عباس ، فوالله لإسلامك كان أحب إليّ من إسلام الخطاب ، لو أسلم ،
وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله(صلى الله عليه
وسلم) من إسلام الخطاب ‏.‏

فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏اذهب به
يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ‏" ‏، فذهبت ، فلما أصبحت غدوت به
إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فلما رآه قال ‏:‏ ‏" ‏ويحك يا أبا
سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله‏ ؟‏‏ "‏ قال‏ :‏ بأبي أنت
وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ‏؟‏ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره
لقد أغني عني شيئاً بعد ‏.‏
قال ‏:‏ ‏" ‏ويحك يا أبا سفيان، ألم
يأن لك أن تعلم أني رسول الله ‏؟ "‏، قال ‏:‏ بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك
وأكرمك وأوصلك ‏:‏ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء ‏.‏ فقال له
العباس‏ :‏ ويحك أسلم ، واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله
، قبل أن تضرب عنقك ، فأسلم وشهد شهادة الحق‏ .‏
قال العباس ‏:‏ يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب
الفخر فاجعل له شيئاً‏ .‏ قال ‏:‏ ‏" ‏نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن
، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ‏" ‏‏.
أخرجه مسلم (1780)

الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة

وفي
هذا الصباح ـ صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8 هـ ـ غادر
رسول الله(صلى الله عليه وسلم) مر الظهران إلى مكة ، وأمر العباس أن يحبس
أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ،
ففعل ، فمرت القبائل على راياتها ، كلما مرت به قبيلة قال‏ :‏ يا عباس ،
من هذه ‏؟‏ فيقول ـ مثلا ـ سليم ، فيقول ‏:‏ مالي ولِسُلَيْم ‏؟‏ ثم تمر
به القبيلة فيقول ‏:‏ يا عباس ، من هؤلاء‏ ؟‏ فيقول ‏:‏ مُزَيْنَة ،
فيقول‏ :‏ مالي ولمزينة ‏؟‏ حتى نفذت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا سأل
العباس عنها ، فإذا أخبره قال ‏:‏ مالي ولبني فلان‏ ؟‏ حتى مر به رسول
الله(صلى الله عليه وسلم) في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ،
لا يرى منهم إلا الحَدَق من الحديد ، قال :‏ سبحان الله ‏!‏ يا عباس ، من
هؤلاء‏ ؟‏ قال ‏:‏ هذا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في المهاجرين
والأنصار ، قال ‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة‏ .‏ ثم قال ‏:‏ والله
يا أبا الفضل ، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً‏ .‏ قال العباس ‏:‏
يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال‏ :‏ فنعم إذن ‏.‏
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي
سفيان قال له ‏:‏ اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة ،
اليـوم أذل الله قـريشاً ‏.‏ فلما حـاذى رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
أبا سفيان قال ‏:‏ يا رسول الله ، ألم تسمع ما قال سعد ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏(
‏وما قال‏ ؟ ‏‏)‏ فقال ‏:‏ قال كذا وكذا ‏.‏ فقال عثمان وعبد الرحمن بن
عوف ‏:‏ يا رسول الله ، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول
الله(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏" ‏بل اليوم يوم تُعَظَّم فيه الكعبة،
اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً‏ "‏ البخاري (4280) من حديث هشام بن عروة
عن أبيه مرسلا ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ، ودفعه إلى ابنه قيس ،
ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد ‏.‏ وقيل ‏:‏ بل دفعه إلى الزبير‏ .‏

قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي

ولما
مر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بأبي سفيان ومضى قال له العباس ‏:‏
النجاء إلى قومك ‏.‏ فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة ، وصرخ بأعلى صوته‏ :‏
يا معشر قريش ، هذا محمد ، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ‏.‏ فمن دخل دار
أبي سفيان فهو آمن ‏.‏ فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت
‏:‏ اقتلوا الحَمِيت الدسم الأخمش الساقين ، قُبِّحَ من طَلِيعَة قوم ‏.‏
قال أبو سفيان‏ :‏ ويلكم ، لا تغرنكم هذه من أنفسكم ،
فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ‏.‏
قالوا‏ :‏ قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ‏؟‏ قال ‏:‏ ومن أغلق عليه بابه
فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ‏.‏ فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد
، وبثوا أوباشاً لهم ، وقالوا ‏:‏ نقدم هؤلاء ، فإن كان لقريش شيء كنا
معهم ، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‏ .‏ فتجمع سفهاء قريش وأخِفَّاؤها مع
عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو بالخَنْدَمَة ليقاتلوا
المسلمين ‏.‏ وكان فيهم رجل من بني بكر ـ حِمَاس بن قيس ـ كان يعد قبل ذلك
سلاحاً ، فقالت له امرأته ‏:‏ لماذا تعد ما أرى ‏؟‏ قال ‏:‏ لمحمد وأصحابه
‏.‏ قالت ‏:‏ والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء ‏.‏ قال ‏:‏ إني والله
لأرجو أن أخدمك بعضهم ، ثم قال ‏:
إن يقبلوا اليوم فمالي عِلَّه هــذا ســلاح كامــل وألَّه
وذو غِرَارَيْن سريع السَّلَّة
فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة ‏.‏

الجيش الإسلامي بذي طوى

أما
رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فمضى حتى انتهى إلى ذي طوي ـ وكان يضع رأسه
تواضعاً لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى أن شعر لحيته ليكاد
يمس واسطة الرحل ـ وهناك وزع جيشه ، وكان خالد بن الوليد على
المُجَنَّبَةِ اليمنى ـ وفيها أسْلَمُ وسُلَيْم وغِفَار ومُزَيْنَة
وجُهَيْنَة وقبائل من قبائل العرب ـ فأمره أن يدخل مكة من أسفلها ، وقال
‏:‏ ‏" ‏إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً ، حتى توافوني على الصفا
"‏‏.‏ أخرجه بمعناه مسلم (1780)
وكان الزبير بن العوام على المُجَنَّبَةِ اليسرى ،
وكان معه راية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فأمره أن يدخل مكة من
أعلاها ـ من كَدَاء ـ وأن يغرز رايته بالحَجُون ، ولا يبرح حتى يأتيه ‏.‏

وكان أبو عبيدة على الرجالة والحُسَّر ـ وهم الذيم لا سلاح معهم ـ فأمره
أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: فتح مكة   الجمعة فبراير 05, 2010 3:00 am

<table class="MsoNormalTable" style="border-collapse: collapse;" border="0" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr style=""><td style="border: medium none rgb(254, 254, 254); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%"><table id="AutoNumber25" style="border-collapse: collapse;" border="0" bordercolor="#111111" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr><td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</td></tr></table></td></tr></table>




<table class="MsoNormalTable" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 175pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="233">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
الجيش الإسلامي يدخل مكة</td></tr></table>




وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها‏ .‏



فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه ‏.‏ وقتل من
أصحابه من المسلمين كُرْز بن جابر الفِهْرِي وخُنَيْس بن خالد بن ربيعة
‏.‏ كانا قد شذا عن الجيش ، فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً ، وأما
سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخَنْدَمَة فناوشوهم شيئا من قتال ،
فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلاً ، فانهزم المشركون ، وانهزم حِمَاس بن
قيس ـ الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين ـ حتى دخل بيته ، فقال لامرأته‏
:‏ أغلقي على بابي ‏.‏



فقالت ‏:‏ وأين ما كنت تقول‏ ؟‏ فقال ‏:‏



إنك لو شهـدت يوم الخندمة
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة
ضربـاً فلا يسمع إلا غمغمه


إذ فر صفوان وفر عكرمة
يقطعن كل ساعد وجمجمه
لهـم نهيت خلفنا وهمهمه

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه


وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الصفا‏ .‏


وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بالحَجُون عند مسجد الفتح ، وضرب له هناك قبة ، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏






الرسول(صلى الله عليه وسلم) يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام





ثم نهض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ،
والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله ، حتى دخل المسجد ، فأقبل إلى
الحجر الأسود ، فاستلمه ، ثم طاف بالبيت ، وفي يده قوس ، وحول البيت
ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها بالقوس ، ويقول ‏:
‏ ‏" ‏جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا "‏‏[ ‏الإسراء ‏:‏81 ‏] ‏، ‏"‏ قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ‏ "‏ ‏[ ‏سبأ ‏: ‏49 ‏]‏ والأصنام تتساقط على وجوهها ‏.‏



وكان طوافه على راحلته ، ولم يكن محرماً يومئذ ، فاقتصر على الطواف ، فلما
أكمله دعا عثمان بن طلحة ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، فأمر بها ففتحت فدخلها
، فرأى فيها الصور ، ورأى فيها صورة إبراهيم ، وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ
يستقسمان بالأزلام ، فقال‏
:‏ ‏" ‏قاتلهم الله ، والله ما استقسما بها قط‏ "‏‏.‏ ورأى في الكعبة حمامة من عيدان ، فكسرها بيده ، وأمر بالصور فمحيت‏ .






الرسول(صلى الله عليه وسلم) يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش





ثم
أغلق عليه الباب ، وعلى أسامة وبلال ، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب
حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف ، وجعل عمودين عن يساره ، وعموداً
عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ـ وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ـ ثم صلى
هناك ‏.‏ ثم دار في البيت ، وكبر في نواحيه ، ووحد الله ، ثم فتح الباب ،
وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع ‏؟‏ فأخذ بعضادتي الباب
وهم تحته ، فقال ‏:‏



"‏لا
إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده
، ألا كل مأثُرَة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سِدَانَة البيت
وسِقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد ـ السوط والعصا ـ ففيه الدية
مغلظة ، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولاد‏ها .‏
يا معشر
قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من
آدم ، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏" ‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن
الله عليم خبير‏"‏ .



**لا تثريب عليكم اليوم :


ثم قال ‏:‏"
‏يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم‏ ؟‏‏ "قالوا :‏ خيرًا ، أخ كريم وابن
أخ كريم ، قال‏:‏"فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته ‏:‏ ‏" ‏لاَ
تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ‏ "‏ اذهبوا فأنتم الطلقاء ‏" .‏







مفتاح البيت إلى أهله








ثم جلس رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
في المسجد فقام إليه علي رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده فقال ‏:‏ اجمع
لنا الحجابة مع السقاية ، صلى الله عليك ـ وفي رواية أن الذي قال ذلك هو
العباس ـ فقال رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏أين عثمان بن طلحة ‏؟ ‏‏) ‏‏.‏ فدعي له ، فقال له ‏:‏ ‏( ‏هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء ‏) ‏، وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قال له حين دفع المفتاح إليه ‏:‏ ‏(
‏خذوها خالدة تالدة ، لا ينزعها منكم إلا ظالم ، يا عثمان إن الله
استأمنكم على بيته ، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف ‏) ‏‏.‏







بلال يؤذن على الكعبة





وحانت الصلاة ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة ، وأبو سفيان بن حرب ، وعتاب بن أسيد ،
والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب ‏:‏ لقد أكرم الله أسيداً
ألا يكون سمع هذا ، فيسمع منه ما يغيظه‏ .‏ فقال الحارث ‏:‏ أما والله لو
أعلم أنه حق لاتبعته ‏.‏ فقال أبو سفيان ‏:‏ أما والله لا أقول شيئًا ، لو
تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء ‏.‏ فخرج عليهم النبي
(صلى الله عليه وسلم) فقال لهم ‏:‏ ‏( ‏لقد علمت الذي قلتم ‏)‏ ثم ذكر ذلك لهم ‏.‏


فقال الحارث وعتاب ‏:‏ نشهد أنك رسول الله ، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك ‏.‏




صلاة الفتح أو صلاة الشكر




ودخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومئذ
دار أم هانئ بنت أبي طالب ، فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها ـ وكان ضحى
ـ فظنها من ظنها صلاة الضحى ، وإنما هذه صلاة الفتح ، وأجارت أم هانئ
حموين لها ، فقال رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ‏) ‏، وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما ، فأغلقت عليهما باب بيتها ، وسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال لها ذلك ‏.‏






إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين




وأهدر رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين ، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار
الكعبة ، وهم عبد العزى بن خطل ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعكرمة بن
أبي جهل ، والحارث بن نفيل بن وهب ، ومقيس بن صبابة ، وهبار بن الأسود ،
وقينتان كانتا لابن الأخطل ، كانت تغنيان بهجو النبي
(صلى الله عليه وسلم) ، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب ، وهي التي وجد معها كتاب حاطب ‏.‏


فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ،
وشفع فيه ، فحقن دمه ، وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض
الصحابة فيقتله ، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ، ثم ارتد ورجع إلى مكة ‏.‏



وأما عكرمة بن أبي جهل ، ففر إلى اليمن ، فاستأمنت له امرأته ، فأمنه النبي(صلى الله عليه وسلم) فتبعته ، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه ‏.‏


وأما ابن خطل فكان متعلقًا بأستار الكعبة ، فجاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) وأخبره ، فقال ‏:‏ ‏( ‏اقتله‏ )‏ فقتله‏.‏



وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله ، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك ،
ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله ، ثم ارتد ولحق بالمشركين ‏.‏



وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله بمكة ، فقتله علي ‏.‏


وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حين هاجرت ، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها ، ففر هبار يوم مكة ثم أسلم وحسن إسلامه ‏.‏


وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت ، كما استؤمن لسارة وأسلمت ‏.‏



قال ابن حجر‏ :‏ وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي ،
قتله علي ‏ وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير ، وقصته مشهورة ،
وقد جاء بعد ذلك وأسلم ومدح ، ووحشي بن حرب ، وهند بنت عتبة امرأه أبي
سفيان ، وقد أسلمت ، وأرنب مولاه ابن خطل أيضاً قتلت ، وأم سعد قتلت ،
فيما ذكر ابن إسحاق ، فكملت العدة ثمانية رجال وست نسوة ، ويحتمل أن تكون
أرنب وأم سعد القينتان ، أختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب ‏.‏







إسلام صفوان بن أمية وفضالة بن عمير




لم يكن صفوان ممن أهدر دمه ، لكنه بصفته زعيماً كبيراً من زعماء قريش خاف على نفسه وفر ، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فأمنه ، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة ، فلحقة عمير وهو يريد أن يركب البحر من جدة إلى اليمن فرده ، فقال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏
اجعلني بالخيار شهرين ‏.‏ قال ‏( ‏أنت بالخيار أربعة أشهر ‏)‏ ثم أسلم
صفوان ، وقد كانت امرأته أسلمت قبله ، فأقرهما على النكاح الأول ‏.‏



وكان فضالة رجلاً جريئاً جاء إلى رسول الله، وهو في الطواف ، ليقتله ، فأخبر الرسول


(صلى الله عليه وسلم) بما في نفسه فأسلم ‏.‏










خطبة الرسول(صلى الله عليه وسلم) في اليوم الثاني من الفتح




ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في الناس خطيباً ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ومجده بما هو أهله ، ثم قال ‏:‏ ‏(
‏أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحرمة
الله إلى يوم القيامة ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك
فيها دماً ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله(صلى الله
عليه وسلم) فقولوا ‏:‏ إن الله أذن لرسوله ولم
يأذن لكم ، وإنما حلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها
بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب‏ ) ‏‏.‏



وفي رواية ‏:‏ ‏( ‏لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاه‏ )‏ ، فقال العباس ‏:‏ يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنه لقينهم وبيوتهم ، فقال‏ :‏ ‏( ‏إلا الإذخر ‏)‏‏ .‏


وكانت خزاعة قتلت يومئذ رجلاً من بنى ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بهذا الصدد‏ :‏ ‏(
‏يا معشر خزاعة ، ارفعو أيديكم عن القتل ، فلقد كثر القتل إن نفع ، لقد
قتلتم قتيلاً لأدينه ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين ، إن
شاءوا فدم قاتله ، وإن شاءوا فعقله ‏)‏‏
.‏


وفي رواية ‏:‏ فقام رجل من أهل اليمن يقال له‏ :‏ شاه فقال ‏:‏ اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏(‏اكتبو لأبي شاه‏)‏‏ .‏






تخوف الأنصار من بقاء الرسول(صلى الله عليه وسلم في مكة




ولما تم فتح مكة على الرسول(صلى الله عليه وسلم) - وهي بلده ووطنه ومولده - قال الأنصار فيما بينهم‏ :‏ أترون رسول الله(صلى الله عليه وسلم) إذ فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها - وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه - فلما فرغ من دعائة قال‏ :‏ ‏( ‏ماذا قلتم‏ ؟ ‏‏)‏ قالوا ‏:‏ لا شيء يا رسول الله ، فلم يزل بهم حتى أخبروه ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏معاذ الله ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم ‏)‏ ‏.






أخذ البيعة




وحين فتح الله مكة على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ، تبين لأهل مكة الحق ، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام ، فأذعنوا له ، واجتمعوا للبيعة ، فجلس رسول الله(صلى الله عليه وسلم) على الصفا يبايع الناس ، وعمر بن الخطاب أسفل منه ، يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا ‏.‏


وفي المدارك‏ :‏ روى أن النبي(صلى الله عليه وسلم) لما
فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء ، وهو على الصفا ، وعمر قاعد أسفل
منه ، يبايعهن بأمره ، ويبلغهن عنه ، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان
متنكرة ، خوفاً من رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) أن يعرفها ، لما صنعت بحمزة ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏( ‏أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئاً ‏)‏ ، فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏ولا تسرقن ‏)‏ فقالت هند ‏:‏ إن أبا سفيان رجل شحيح ، فإن أنا أصبت من ماله هنات ‏؟‏ فقال أبو سفيان ‏:‏ وما أصبت فهو لك حلال ، فضحك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعرفها ، فقال‏ :‏ ‏(‏ وإنك لهند ‏؟ ‏‏)‏ قالت‏ :‏ نعم ، فاعف عما سلف يا نبي الله ، عفا الله عنك ‏.‏


فقال ‏:‏ ‏( ‏ولا يزنين ‏) ‏‏.‏ فقالت‏ :‏ أو تزني الحرة‏ ؟‏


فقال ‏:‏ ‏( ‏ولا يقتلن أولادهن ‏)‏‏
.‏ فقالت‏ :‏ ربيناهم صغاراً ، وقتلناهم كباراً ، فأنتم وهم أعلم ـ وكان
ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدرـ فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول
الله
(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏


قال ‏:‏ ‏(‏ ولا يأتين ببهتان ‏)‏ فقالت ‏:‏ والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق ‏.‏


فقال ‏:‏ ‏(‏ ولا يعصينك في معروف ‏)‏ فقالت ‏:‏ والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك‏.‏


ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول ‏:‏ كنا منك في غرور‏ .‏



وفي الصحيح ‏:‏ جاءت هند بنت عتبة فقالت ‏:‏ يا رسول الله ما كان على ظهر
الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ، ثم ما أصبح اليوم على
ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يغزوا من أهل خبائك‏ .‏ قال‏ :‏
‏( ‏وأيضاً ، والذي نفسي بيده ‏)‏ قالت‏ :‏ يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا‏ ؟‏ قال‏ :‏ ‏( ‏لا أره إلا بالمعروف ) ‏‏.‏






إقامته (صلى الله عليه وسلم) بمكة وعمله فيها




وأقام رسول الله(صلى الله عليه وسلم)
بمكة تسعة عشر يومًا يجدد معالم الإسلام ، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى ،
وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي ، فجدد أنصاب الحرم ، وبث سراياه
للدعوة إلى الإسلام ، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة ، فكسرت كلها ،
ونادى مناديه بمكة ‏:‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته
صنما إلا كسره‏ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: السرايا والبعوث (بعد فتح مكة)   الجمعة فبراير 05, 2010 3:07 am

السرايا والبعوث بعد فتح مكة





ولما اطمأن رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم) بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ه ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانه وهي أعظم أصنامهم وكان سدنتها بني شيبان فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع سأله رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم) هل رأيت شيئاً؟ قال: لا قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم)فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً.

ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط، على ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن ما تريد؟ قال: أمرني رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم)أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للسادن كيف رأيت؟ قال: أسلمت للَّه.





وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئاً.





ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم)في شعبان من نفس السنة (8هـ) إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيراً، فأمر يوماً أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فذكروا له، (صلى الله عليه وسلم)وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول (صلى الله عليه وسلم) علياً فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ النبي (صلى الله عليه وسلم)فقال: مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فواللَّه لو كان أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل اللَّه ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته.





تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتاً لم يترك لبقائها مجالاً ولا مبرراً في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والاصطدام الذي كان دائراً بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيداً أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الاعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت، فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول. وكانت صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضاً، وناظره في الإسلام وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشرة آلاف.





وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام. وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معاً في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية. فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم وكمل بهذا الفتح المبين. وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماماً، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماماً. ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فيعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم. وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين. المرحَلة الثالثة: وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم). تمثل النتائج التي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب وقلاقل وفتن واضطرابات ومعارك وحروب دامية واجهتها طيلة بضعة وعشرين عاماً. وكان فتح مكة هو أعظم كسب حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام، تغير لأجله مجرى الأيام، وتحول به جو العرب، فقد كان الفتح حداً فاصلاً بين المدة السابقة عليه وبين ما بعده، فإن قريشاً كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره، والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني في جزيرة العرب.





ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين:


صفحة المجاهدة والقتال.





صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام. وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوبتا في هذه المرحلة، ووقعت كل واحدة منهما خلال الأخرى، إلا أنا اخترنا في الترتيب الوضعي، أن نأتي على ذكر كل من الصفحتين متميزة عن الأخرى، ونظراً إلى أن صفحة القتال ألصق بما مضى، وأكثر مناسبة من الأخرى قدمناها في الترتيب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: المرحلة الثالثة   الجمعة فبراير 05, 2010 3:13 am

<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border-collapse: collapse;" border="0" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr style=""><td style="border: medium none rgb(254, 254, 254); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
<table id="AutoNumber25" style="border-collapse: collapse;" border="0" bordercolor="#111111" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr><td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</td></tr></table></td></tr></table>




وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم)
‏، تمثل النتائج التي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب
وقلاقل وفتن واضطرابات ومعارك وحروب دامية واجهتها طيلة بضعة وعشرين عامًا
‏.‏



وكان فتح مكة هو أعظم فتح حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام ، تغير لأجله
مجرى الأيام ، وتحول به جو العرب ، فقد كان الفتح حدًا فاصلا بين السابقة
عليه وبين ما بعده ، فإن قريشًا كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره ،
والعرب في ذلك تبع لهم ، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني
في جزيرة العرب‏ .‏


ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين ‏:‏

1ـ صفحة المجاهدة والقتال‏ .‏

2ـ صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام‏.‏


وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوبتا في هذه المرحلة ، ووقعت كل واحدة منهما
خلال الأخرى إلا أنا اخترنا في الترتيب الوضعي أن نأتي على ذكر كل من
الصفحتين متميزة عن الأخرى ، ونظرًا إلى صفحة القتال ألصق بما مضى ، وأكثر
مناسبة من الأخرى قدمناها في الترتيب ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة حنين   الجمعة فبراير 05, 2010 3:17 am

<table class="MsoNormalTable" style="border-collapse: collapse;" border="0" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr style=""><td style="border: medium none rgb(254, 254, 254); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
<table id="AutoNumber25" style="border-collapse: collapse;" border="0" bordercolor="#111111" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr><td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</td></tr></table></td></tr></table>



<table class="MsoNormalTable" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 95.45pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="127">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
غزوة حنين</td></tr></table>



إن
فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب ، وبوغتت القبائل المجاورة
بالأمر الواقع ، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه ، ولذلك لم تمتنع عن
الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة ، وفي مقدمتها بطون
هوازن وثقيف
، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر وناس من بني هلال ـ وكلها من
قيس عَيْلان ـ رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنَفَةً أن تقابل هذا
الانتصار بالخضوع ، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف النَّصْري ، وقررت المسير
إلى حـرب المسلمين‏ .‏


<table class="MsoNormalTable" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 172.45pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="230">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
مسير العدو ونزوله بأوطاس</td></tr></table>




ولما
أجمع القائد العام ـ مالك بن عوف ـ المسير إلى حرب المسلمين ، ساق مع
الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، فسار حتى نزل بأوْطَاس ـ وهو واد في دار
هَوَازِن بالقرب من حُنَيْن ، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين ، وحنين واد
إلى جنب ذي المجَاز ، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات‏ .‏








<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 190.9pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="255">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
مجرب الحروب يغلط رأي القائد</td></tr></table>







ولما
نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس ، وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ ـ وهو شيخ
كبير ، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً ـ قال دريد‏
:‏ بأي واد أنتم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ بأوطاس ، قال ‏:‏ نعم مَجَالُ الخيل ، لا
حَزْنٌ ضَرسٌ ، ولا سَهْلٌ دَهِس ، مالي أسمع رُغَاء البعير ، ونُهَاق
الحمير ، وبُكَاء الصبي ، وثُغَاء الشاء ‏؟‏ قالوا‏ :‏ ساق مالك بن عوف مع
الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم ، فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك ،
فقال‏ :‏ أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ، فقال ‏:‏ راعي
ضأن واللّه ، وهل يرد المنهزم شيء ‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل
بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك ، ثم سأل عن بعض
البطون والرؤساء ، ثم قال ‏:‏ يا مالك ، إنك لم تصنع بتقديم بَيْضَة هوازن
إلى نحور الخيل شيئاً ، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ، ثم الْقَ
الصُّبَاة على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك
ألفاك ذلك وقد أحرزتَ أهلك ومالك ‏.‏




ولكن مالكاً ـ القائد العام ـ رفض هذا الطلب قائلاً‏ :‏ واللّه لا أفعل ،
إنك قد كبرت وكبر عقلك ، واللّه لتطيعني هوازن أو لأتَّكِئَنَّ على هذا
السيف حتى يخرج من ظهري ، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي ، فقالوا‏
:‏ أطعناك ‏.‏ فقال دريد ‏:‏ هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنِي‏ :‏




يا ليتنـي فيها جـَذَعْ
أقود وطْفَاءَ الزَّمَــعْ


أخُبُّ فيهـا وأضَعْ
كأنها شـاة صَدَعْ










<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 144pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="192">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
سلام استكشاف العدو</td></tr></table>


وجاءت
إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين ، جاءت هذه العيون وقد
تفرقت أوصالهم ، قال‏ :‏ ويلكم ، ما شأنكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ رأينا رجالاً
بيضا على خيل بُلْق ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ‏.‏



<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(243, 243, 243) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 301.4pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="402">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
سلاح استكشاف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)</td></tr></table>




ونقلت الأخبار إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بمسير العدو ، فبعث أبا حَدْرَد الأسلمي ، وأمره أن يدخل في الناس ، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم ، ففعل ‏.‏










<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(243, 243, 243) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 306.4pt; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="409">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
الرسول(صلى الله عليه وسلم) يغادر مكة إلى حنين</td></tr></table>



وفي يوم السبت ـ السادس من شهر شوال سنة 8 هـ ـ غادر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)
مكة ـ وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة ـ خرج في اثني عشر
ألفاً من المسلمين ، عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة ، وألفان من
أهل مكة‏ ،‏ وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام واستعار من صفوان بن أمية مائة
درع بأداتها ، واستعمل على مكة عَتَّاب بن أسيد ‏.‏



ولما كان عشية جاء فارس ، فقال ‏:‏ إني طلعت جبل كذا وكذا ، فإذا أنا
بهوازن على بكرة آبائهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين ،
فتبسم رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) وقال ‏:‏ ‏( ‏تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء اللّه ‏) ‏، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي ‏.‏


وفي طريقهم إلى حنين رأوا سِدْرَة عظيمة خضراء يقال لها‏ :‏ ذات أنْوَاط ،
كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم ، ويذبحون عندها ويعكفون ، فقال بعض أهل
الجيش لرسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ اجعل لنا ذات أنواط ، كما لهم ذات أنواط ‏.‏ فقال‏:‏ ‏(
‏اللّه أكبر ، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى ‏:‏ اجعل لنا
إلها كما لهم آلهة ، قال‏ :‏ إنكم قوم تجهلون ، إنها السَّنَنُ ، لتركبن
سَنَنَ من كان قبلكم ‏) ‏‏.‏


وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش ‏:‏ لن نُغْلَبَ اليوم ، وكان قد شق ذلك على رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏ .




<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 60%; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="60%">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
الجيش الإسلامي يباغت بالرماة والمهاجمين</td></tr></table>




انتهى
الجيش الإسلامي إلى حنين ، الليلة التي بين الثلاثاء والأربعاء لعشر خلون
من شوال ، وكان مالك بن عوف قد سبقهم ، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي ،
وفرق كُمَنَاءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق ، وأصدر
إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا ، ثم يشدوا شدة رجل واحد ‏.‏



وبالسَّحَر عبأ رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)
جيشه ، وعقد الألوية والرايات ، وفرقها على الناس ، وفي عَمَاية الصبح
استقبل المسلمون وادي حنين ، وشرعوا ينحدرون فيه ، وهم لا يدرون بوجود
كمناء العدو في مضايق هذا الوادي ، فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال
، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد ، فانشمر المسلمون راجعين ،
لا يلوي أحد على أحد ، وكانت هزيمة منكرة ، حتى قال أبو سفيان بن حرب ،
وهو حديث عهد بالإسلام ‏:‏ لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ـ الأحمر ـ وصرخ
جَبَلَةُ أو كَلَدَةُ بن الحَنْبَل ‏:‏ ألا بطل السِّحْر اليوم‏ .‏



وانحاز رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) جهة اليمين وهو يقول ‏:‏ ‏(‏ هَلُمُّوا إلى أيها الناس ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد اللّه‏)
ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار ‏.‏ تسعة على
قول ابن إسحاق ، واثنا عشر على قول النووي ، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم
في المستدرك من حديث ابن مسعود ، قال ‏:‏ كنت مع النبي
(صلى الله عليه وسلم) يوم
حنين ، فولي عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار ،
فكنا على أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر ، وروى الترمذي من حديث ابن عمر
بإسناد حسن قال ‏:‏ لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين ، وما مع رسول
اللّه
(صلى الله عليه وسلم) مائة رجل ‏.‏


وحينئذ ظهرت شجاعة النبي(صلى الله عليه وسلم) التي لا نظير لها ، فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول‏ :‏



أنــا النبي لا كَذِبْ


أنا ابن عبد المطلب‏


بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته ، والعباس بركابه ، يكفانها ألا تسرع ، ثم نزل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فاستنصر ربه قائلاً‏ :‏ ‏( ‏اللّهم أنزل نصرك ‏) ‏‏.‏












رجوع المسلمين واحتدام المعركة


وأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)
عمه العباس ـ وكان جَهِيَر الصوت ـ أن ينادي الصحابة ، قال العباس ‏:‏
فقلت بأعلى صوتي ‏:‏ أين أصحاب السَّمُرَة‏ ؟‏ قال ‏:‏ فو الله لكأن
عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها ، فقالوا ‏:‏ يا
لبيك ، يا لبيك‏ .‏ ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه ، فيأخذ درعه ،
فيقذفها في عنقه ، ويأخذ سيفه وترسه ، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم
الصوت ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا‏ .‏




وصرفت الدعوة إلى الأنصار ‏:‏ يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار ، ثم
قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج ، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو
الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة ، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة ، ونظر
رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) إلى ساحة القتال ، وقد استحر واحتدم ، فقال ‏:‏ ‏( ‏الآن حَمِي الوَطِيسُ‏ )‏ ‏.‏ ثم أخذ رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) قبضة من تراب الأرض ، فرمى بها في وجوه القوم وقال‏ :‏ ‏( ‏شاهت الوجوه ‏) ‏، فما خلق اللّه إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة ، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلاً وأمرهم مُدْبِرًا‏ .‏









انكسار حدة العدو وهزيمته الساحقة


وما
هي إلا ساعات قلائل ـ بعد رمي القبضة ـ حتى انهزم العدو هزيمة منكرة ،
وقتل من ثَقِيف وحدهم نحو السبعين ، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال
وسلاح وظُعُن‏ .‏



وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله ‏:‏ "‏وَيَوْمَ
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا
وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم
مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏:‏25 ، 26 ‏]‏










حركة المطاردة


ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف ، وطائفة إلى نَخْلَة ، وطائفة إلى أوْطاس ، فأرسل النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري ، فَتَنَاوَشَ الفريقان القتال قليلاً ، ثم انهزم جيش المشركين ، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري ‏.‏


وطاردت طائفة أخري من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة ، فأدركت دُرَيْدَ بن الصِّمَّة فقتله ربيعة بن رُفَيْع‏ .‏


وأما معظم فلول المشركين الذين لجأوا إلى الطائف ، فتوجه إليهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بنفسه بعد أن جمع الغنائم ‏.‏






الغنائم


وكانت الغنائم ‏:‏ السبي ستة آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرون ألفاً ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ، أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بجمعها ، ثم حبسها بالجِعْرَانَة ، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري ، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف‏ .‏


وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية ، أخت رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من الرضاعة ، فلما جيء بها إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عرفت له نفسها ، فعرفها بعلامة فأكرمها ، وبسط لها رداءه ، وأجلسها عليه ، ثم منّ عليها ، وردّها إلى قومها ‏.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: غزوة الطائف   الجمعة فبراير 05, 2010 3:24 am

<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="width: 38.14%; border-collapse: collapse;" border="0" cellpadding="0" cellspacing="0" width="38%"><tr style=""><td style="border: medium none rgb(254, 254, 254); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
<table id="AutoNumber25" style="border-collapse: collapse;" border="0" bordercolor="#111111" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr><td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</td></tr></table></td></tr></table>







<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 30%; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="30%"><tr style=""><td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
غزوة الطائف</td></tr></table>




وهذه
الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين ، وذلك أن معظم فلول هَوَازن وثَقِيف
دخلوا الطائف مع القائد العام ـ مالك بن عوف النَّصْرِي ـ وتحصنوا بها ،
فسار إليهم رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة ، في الشهر نفسه ـ شوال سنة 8 هـ ‏.‏

وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل ، ثم سلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى
الطائف ، فمر في طريقه على نخلة اليمانية ، ثم على قَرْنِ المنازل ، ثم
على لِيَّةَ ، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ، ثم واصل سيره حتى
انتهى إلى الطائف فنزل قريباً من حصنه ، وعسكر هناك ، وفرض الحصار على أهل
الحصن ‏.‏



ودام الحصار مدة غير قليلة ، ففي رواية أنس عند مسلم‏ :‏ أن مدة حصارهم
كانت أربعين يوماً ، وعند أهل السير خلاف في ذلك ، فقيل ‏:‏ عشرين يوماً ،
وقيل‏ :‏ بضعة عشر ، وقيل ‏:‏ ثمانية عشر ، وقيل ‏:‏ خمسة عشر‏ .‏



ووقعت في هذه المدة مراماة ، ومقاذفات ، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار
رماهم أهل الحصن رمياً شديداً ، كأنه رِجْل جراد ، حتى أصيب ناس من
المسلمين بجراحة ، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً ، واضطروا إلى الارتفاع عن
معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك‏ .‏


ونصب النبي (صلى الله عليه وسلم) المنجنيق
على أهل الطائف ، وقذف به القذائف ، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن ، فدخل
نفر من المسلمين تحت دبابة ،‏ ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه ، فأرسل
عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار ،‏ فخرجوا من تحتها ، فرموهم بالنبل
وقتلوا منهم رجالاً ‏.‏


وأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ـ
كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام ـ أمر بقطع الأعناب
وتحريقها ، فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً ، فسألته ثقيف أن يدعها للّه
والرحم ، فتركها للّه والرحم ‏.‏


ونادى مناديه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏
أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر ، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً
، فيهم أبو بكرة ـ تسور حصن الطائف ، وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقى عليها
، فكناه رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) ‏[ ‏أبا بكرة ‏]‏ ـ فأعتقهم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة‏ .‏


ولما طال الحصار واستعصيى الحصن ، وأصيب المسلمون بما أصيب من رشق النبال
وبسكك الحديد المحماة ـ وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة
ـ استشار رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي فقال ‏:‏ هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك ، وحينئذ عزم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) على
رفع الحصار والرحيل ، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس ، إنا قافلون غداً
إن شاء اللّه ، فثقل عليهم وقالوا‏ :‏ نذهب ولا نفتحه ‏؟‏ فقال رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) :‏
‏( ‏اغدوا على القتال ‏) ‏، فغدوا فأصابهم جراح ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إنا قافلون
غداً إن شاء اللّه ‏)‏ فسروا بذلك وأذعنوا ، وجعلوا يرحلون ، ورسول اللّه يضحك‏ .‏


ولما ارتحلوا واستقلوا قال ‏:‏ قولوا ‏:‏ ‏( ‏آيبون تائبون عابدون ، لربنا حامدون‏ ) ‏‏.‏

وقيل ‏:‏ يا رسول اللّه ، ادع على ثقيف ، فقال‏ :‏ ‏( ‏اللّهم اهد ثقيفاً ، وائت بهم ‏) ‏‏.‏











<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 45.9%; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="45%"><tr style=""><td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
غزوة الطائف - قسمة الغنائم بالجعرانة</td></tr></table>




ولما عاد رسول اللْه (صلى الله عليه وسلم) بعد
رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم ،
ويتأنى بها ، يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا ،
ولكنه لم يجئه أحد، فبدأ بقسمة المال ، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل
وأشراف مكة ، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي وحظي بالأنصبة الجزلة‏.‏



وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل ، فقال ‏:‏ ابني يزيد
‏؟‏ فأعطاه مثلها ، فقال ‏:‏ ابني معاوية‏ ؟‏ فأعطاه مثلها ، وأعطى حكيم
بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائة أخرى ، فأعطاه إياها‏ .‏ وأعطى
صفوان بن أمية مائة من الإبل ، ثم مائة ثم مائة ـ كذا في الشفاء ـ وأعطى
الحارث بن الحارث بن كَلَدَة مائة من الإبل ، وكذلك أعطى رجالاً من رؤساء
قريش وغيرها مائة مائة من الإبل وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين ،
حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاءً ، ما يخاف الفقر ، فازدحمت عليه
الأعراب يطلبون المال حتى اضطروه إلى شجرة ، فانتزعت رداءه فقال‏ :‏
‏(
‏أيها الناس ، ردوا علي ردائي ، فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر
تهامة نعماً لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً
‏) ‏‏.‏


ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة ، فجعلها بين إصبعه ، ثم رفعها ، فقال ‏:‏ ‏( ‏أيها الناس ، واللّه مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم‏ ) ‏‏.‏


كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة ، فإن في الدنيا أقواماً كثيرين
يقادون إلى الحق من بطونهم ، لا من عقولهم ، فكما تهدي الدواب إلى طريقها
بحزمة برسيم تظل تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها آمنة ، فكذلك هذه
الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له .


وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) زيد
بن ثابت بإحضار الغنائم والناس ، ثم فرضها على الناس ، فكانت سهامهم لكل
رجل إما أربعاً من الإبل، وإما أربعين شاة ، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر
بعيراً أو عشرين ومائة شاة ‏.‏










الأنصار تجد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)






وهذه السياسة لم تفهم أول الأمر ، فأطلقت ألسنة شتى بالاعتراض ، وكان الأنصار ممن وقعت


عليهم مغارم هذه السياسة ، لقد حرموا جميعاً أعطية حنين ، وهم الذين نودوا في وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى تبدل الفرار انتصاراً ، وهاهم أولاء يرون أيدي الفارين ملأى ، وأما هم فلم يمنحوا شيئاً قط .


روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال ‏:‏ لما أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ما
أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها
شيء ، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ ،
حتى قال قائلهم‏ :‏ لقي واللّه رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قومه
، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال ‏:‏ يا رسول اللّه ، إن هذا الحي من
الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ،
قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي
من الأنصار منها شيء‏ . ‏قال ‏:‏ ‏( ‏فأين أنت من ذلك يا سعد ‏؟ ‏‏)‏ قال
‏:‏ يا رسول اللّه ، ما أنا إلا من قومي‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏فاجمع لي قومك في
هذه الحظيرة‏ )‏‏ .‏ فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من
المهاجرين فتركهم فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد
فقال ‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال ‏:‏
‏" ‏يا معشر الأنصار ، مقَالَهٌ بلغتني عنكم ، وَجِدَةٌ وجدتموها عليّ في
أنفسكم‏ ؟‏ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه‏ ؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏ ؟‏
وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ‏؟ "‏ قالـوا‏ :‏ بلى ، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفْضَلُ ‏.‏


ثم قال ‏:‏ ‏" ‏ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ "‏ قالوا‏ :‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه‏ ؟‏ للّه ورسوله المن والفضل ‏.‏ قال‏ :‏
‏" ‏أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ ‏:‏ أتيتنا
مُكَذَّبًا فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً
فآسَيْنَاك .‏



‏ ‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا
تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ‏؟‏ ألا ترضون
يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه (صلى
الله عليه وسلم) إلى رحالكم‏ ؟‏ فو الذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت
امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شِعْبًا ، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب
الأنصار ، اللّهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار‏
"‏‏ .‏


فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا‏ :‏ رضينا برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قَسْمًا وحظاً ، ثم انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ، وتفرقوا‏ .‏






غزوة الطائف - قدوم وفد هوازن






وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلماً ، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهم زهير ابن صُرَد ، وفيهم أبو بُرْقَان عم رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) من
الرضاعة ، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال ، وأدلوا إليه بكلام ترق
له القلوب ، فقال ‏:‏ ‏( ‏إن معي من ترون ، وإن أحب الحديث إليّ أصدقه ،
فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ‏؟ ‏‏)‏ قالوا‏ :‏ ما كنا نعدل
بالأحساب شيئاً ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏( ‏إذا صليت الغداة ـ أي صلاة الظهر ـ
فقوموا فقولوا ‏:‏ إنا نستشفع برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) إلى المؤمنين ، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) أن يرد إلينا سبينا ‏) ‏، فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك ‏.‏ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏( ‏أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وسأسأل لكم الناس‏ ) ‏، فقال المهاجرون والأنصار ‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏.‏
فقال الأقْرَع بن حابس ‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا ‏.‏ وقال عُيَيْنَة بن
حِصْن ‏:‏ أما أنا وبنو فَزَارَة فلا‏ .‏ وقال العباس بن مِرْدَاس ‏:‏ أما
أنا وبنو سُلَيْم فلا ‏.‏ فقالت بنو سليم ‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) .‏ فقال العباس بن مرداس ‏:‏ وهنتموني ‏.‏


فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏(
‏إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين ، وقد كنت استأنيت سَبْيَهُمْ ، وقد
خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً ، فمن كان عنده منهن شيء فطابت
نفسه بأن يرده فسبيل ذلك ، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم ، وله بكل
فريضة ست فرائض من أول ما يفيء اللّه علينا‏ )‏ ، فقال الناس ‏:‏ قد طيبنا لرسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ فقال ‏:‏ ‏(‏ إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عُرَفَاؤكم أمركم ‏) ‏،
فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم ، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن ، فإنه
أبي أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم ، ثم ردها بعد ذلك ، وكسا رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) السبي قبطية قبطية ‏.‏






غزوة الطائف - العمرة والانصراف إلى المدينة






ولما فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) من
قسمة الغنائم في الجِعْرَانة أهلَّ معتمراً منها، فأدي العمرة، وانصرف بعد
ذلك راجعاً إلى المدينة بعد أن ولي على مكة عَتَّاب بن أسيد، وكان رجوعه
إلى المدينة ودخوله فيها لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 هـ‏ ‏.‏



قال محمد الغزالي : لله ما أفسح المدى الذي بين هذه الآونة الظافرة بعد أن
توج الله هامته بالفتح المبين ، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ
ثمانية أعوام .



لقد جاء مطارداً يبغي الأمان ، غريباً مستوحشاً ينشد الإيلاف والإيناس ،
فأكرم أهله مثواه ، وآووه ونصروه ، واتبعوا النور الذي أنزل معه ،
واستخفوا بعداوة الناس جميعاً من أجله ، وهاهو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل
المدينة المنورة التي استقبلته مهاجراً خائفاً ، لتستقبله مرة أخرى وقد
دانت له مكة ، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها فأنهضها ، ليعزها
بالإسلام وعفا عن خطيئاتها الأولى "إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: البعوث والسرايا بعد الفتح   الجمعة فبراير 05, 2010 3:34 am

<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border-collapse: collapse;" border="0" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr style=""><td style="border: medium none rgb(254, 254, 254); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
<table id="AutoNumber25" style="border-collapse: collapse;" border="0" bordercolor="#111111" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr><td width="100%">[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]</td></tr></table></td></tr></table>




<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 50%; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="50%">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
البعوث والسرايا بعد الرجوع من غزوة الفتح</td></tr></table>



وبعد الرجوع من هذا السفر الطويل الناجح أقام رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم)
بالمدينة يستقبل الوفود ، ويبعث العمال ، ويبث الدعاة ، ويَكْبِتُ من بقي
فيه الاستكبار عن الدخول في دين اللّه ، والاستسلام للأمر الواقع الذي
شاهدته العرب ‏.‏







<table class="MsoNormalTable" dir="rtl" style="border: medium none ; background: rgb(231, 231, 231) none repeat scroll 0% 0%; -moz-background-clip: -moz-initial; -moz-background-origin: -moz-initial; -moz-background-inline-policy: -moz-initial; width: 64.58%; border-collapse: collapse;" border="1" cellpadding="0" cellspacing="0" width="64%">

<tr style="">
<td style="border: 1pt inset rgb(17, 17, 17); padding: 0cm; width: 100%; background-color: transparent;" width="100%">
البعوث والسرايا بعد الرجوع من غزوة الفتح - المصدقون</td></tr></table>



قد عرفنا مما تقدم أن رجوع رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة كان في أواخر أيام السنة الثامنة ، فما هو إلا أن استهل هلال المحرم من سنة 9 هـ ، وبعث رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) المُصَدِّقين إلى القبائل ، وهذه هي قائمتهم ‏:‏

1 ـ عُيَيْنَةُ بن حصن إلى بني تميم‏.‏
2 ـ يزيد بن الحُصَيْن إلى أسْلَم وغِفَار‏.‏
3 ـ عَبَّاد بن بشير الأشهلي إلى سُلَيْم ومُزَيْنَةَ‏.‏
4 ـ رافع بن مَكِيث إلى جُهَيْنَة‏.‏
5 ـ عمرو بن العاص إلى بني فَزَارَة‏.‏
6 ـ الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب‏.‏
7 ـ بشير بن سفيان إلى بني كعب‏.‏
8 ـ ابن اللُّتِْبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيَان‏.‏
9 ـ المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء ـ وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها‏.‏
10 ـ زياد بن لبيد إلى حضرموت‏.‏
11 ـ عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد‏.‏
12 ـ مالك بن نُوَيْرَة إلى بني حَنْظَلَة‏.‏
13ـ الزِّبْرِقَان بن بدر إلى بني سعد ـ إلى قسم منهم‏.‏
14 ـ قيس بن عاصم إلى بني سعد ـ إلى قسم آخر منهم‏.‏
15 ـ العلاء بن الحضرمي إلى البحرين‏.‏
16 ـ علي بن أبي طالب إلى نجران ـ لجمع الصدقة والجزية كليهما‏.



وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم سنة 9 هـ ، بل تأخر بعث عدة منهم
إلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها‏ .‏ نعم كانت بداية
بعث العمال بهذا الاهتمام البالغ في المحرم سنة 9 هـ ، وهذا يدل على مدى
نجاح الدعوة الإسلامية بعد صلح الحديبية ، وأما بعد فتح مكة فقد دخل الناس
في دين اللّه أفواجاً ‏.






البعوث والسرايا بعد الرجوع من غزوة الفتح - السرايا





وكما بعث المصدقون إلى القبائل ، مَسَّتِ الحاجة إلى بعث عدة من السرايا
مع سيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة ، وهاك لوحة تلك السرايا ‏:‏



1ـ سرية عيينة بن حصن الفزاري ـ في المحرم سنة 9 هـ
ـ إلى بني تميم ، في خمسين فارساً ، لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري ،
وسببها ‏:‏ أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل ، ومنعوهم عن أداء الجزية
‏.‏




وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ، ويكمن النهار ، حتى هجم عليهم في الصحراء
فولى القوم مدبرين ، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين
صبياً ، وساقهم إلى المدينة ، فأنزلوا في دار رَمْلَة بنت الحارث ‏.‏



وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم ، فجاءوا إلى باب النبي(صلى الله عليه وسلم) فنادوا
‏:‏ يا محمد ، اخرج إلينا ، فخرج ، فتعلقوا به ، وجعلوا يكلمونه ، فوقف
معهم ، ثم مضى حتى صلى الظهر ، ثم جلس في صحن المسجد ، فأظهروا رغبتهم في
المفاخرة والمباهاة ، وقدموا خطيبهم عُطَارِد بن حاجب فتكلم ، فأمر رسول
الله
(صلى الله عليه وسلم) ثابت
بن قيس بن شَمَّاس ـ خطيب الإسلام ـ فأجابهم ، ثم قدموا شاعرهم الزبرقان
بن بدر ، فأنشد مفاخراً ، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة
‏.‏




ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس ‏:‏ خطيبه أخطب من خطيبنا
، وشاعره أشعر من شاعرنا ، وأصواتهم أعلى من أصواتنا ، وأقوالهم أعلى من
أقوالنا ، ثم أسلموا ، فأجازهم رسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) ، فأحسن جوائزهم ، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم ‏.‏


2ـ سرية قُطْبَة بن عامر إلى حي من خَثْعَم بناحية تَبَالَة ، بالقرب من تُرَبَة في صفر سنة 9 هـ ‏.‏
خرج قطبة في عشرين رجلاً على عشرة أبعرة يعتقبونها ، فشن الغارة ،
فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً ، وقتل قطبة مع
من قتل ، وساق المسلمون النَّعَم والنساء والشاء إلى المدينة ‏.‏



3ـ سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كِلاَب في ربيع الأول سنة9هـ‏ .‏ بعثت هذه السرية إلى بني كلاب ، لدعوتهم إلى الإسلام ، فأبوا وقاتلوا ، فهزمهم المسلمون ، وقتلوا منهم رجلاً ‏.‏


4ـ سرية علقمة بن مُجَزِّرِ المُدْلِجي إلى سواحل جُدَّة في شهر ربيع الآخر سنة 9هـ
في ثلاثمائة ‏. ‏بعثهم إلى رجال من الحبشة ، كانوا قد اجتمعوا بالقرب من
سواحل جدة للقيام بأعمال القَرْصَنَة ضد أهل مكة ، فخاض علقمة البحر حتى
انتهى إلى جزيرة ، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا ‏.‏



5ـ سرية على بن أبي طالب إلى صنم لطيء يقال له ‏:‏ القلْس ـ ليهدمه ـ في شهر ربيع الأول سنة 9 هـ‏ .‏ بعثه رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في
خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرساً ، ومعه راية سوداء ولواء أبيض ،
فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر ، فهدموه وملأوا أيديهم من السبي
والنعم والشاء ، وفي السبي أخت عدي بن حاتم ، وهرب عدي إلى الشام ، ووجد
المسلمون في خزانة الفلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع ، وفي الطريق قسموا
الغنائم ، وعزلوا الصفي لرسول اللّه
(صلى الله عليه وسلم) ‏.‏ ولم يقسموا آل حاتم‏.‏


ولما جاءوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بـن حاتم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ،
قائلـة ‏:‏ يا رسول اللّه ، غاب الوافد ، وانقطع الوالد ، وأنا عجوز كبيرة
، ما بي من خدمة ، فمُنَّ عليّ ، منّ اللّه عليك ‏.‏ قال ‏:‏
‏(‏ من وافدك‏ ؟‏ ‏)‏ قالت ‏:‏ عدي بن حاتم ‏.‏ قال ‏:‏ (صلى الله عليه وسلم)
ثم مضى ، فلما كان الغد قالت مثل ذلك ، وقال لها مثل ما قال أمس‏ .‏ فلما
كان بعد الغد قالت مثل ذلك ، فمنّ عليها ، وكان إلى جنبه رجل ـ ترى أنه
علي ـ فقال لها ‏:‏ سليه الحِمْلان فسألته فأمر لها به‏ .‏



ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام ، فلما لقيته قالت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):‏
لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها ، ائته راغباً أو راهباً ، فجاءه عدي
بغير أمان ولا كتاب ‏.‏ فأتى به إلى داره ، فلما جلس بين يديه حمد اللّه
وأثنى عليه ، ثم قال :‏ ما يُفِرُّكَ ‏؟‏ أيُفِرُّك أن تقول ‏:‏
‏( ‏لا إله إلا اللّه ‏؟‏ فهل تعلم من إله سوى اللّه ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ لا ‏.‏ ثم تكلم ساعة ثم قال ‏:‏ ‏( ‏إنما تفر أن يقال ‏:‏ اللّه أكبر ، فهل تعلم شيئاً أكبر من الله ‏؟ ‏‏)‏ قال ‏:‏ لا ‏.‏ قال ‏:‏ ‏( ‏فإن اليهود مغضوب عليهم ، وإن النصارى ضالون‏ ) ‏‏.‏ قال ‏:‏ فإني حَنِيف مسلم ، فانبسط وجهه فرحاً ، وأمر به فنزل عند رجل من الأنصار ، وجعل يأتي النبي(صلى الله عليه وسلم) طرفي النهار‏ .‏


وفي رواية ابن إسحاق عن عدي‏:‏ أن النبي(صلى الله عليه وسلم) لما أجلسه بين يديه في داره قال له‏ :‏ ‏( ‏إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن رَكُوسِيّا ‏؟‏ ‏)‏ قال‏ :‏ قلت‏ :‏ بلى ، قال‏:‏ ‏( ‏أو لم تكن تسير في قومك بالمِرْبَاع ‏؟ ‏‏)
‏‏. ‏قال‏ :‏ قلت ‏:‏ بلى ‏.‏ قال ‏:‏ ‏( ‏فإن ذلك لم يحل لك في دينك‏ )‏
‏.‏ قال ‏:‏ قلت أجل واللّه ‏.‏ قال ‏:‏ وعرفت أنه نبي مرسل ، يعرف ما
يُجْهَل ‏.‏



وفي رواية لأحمد ‏:‏ أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال ‏:‏ ‏( ‏يا عدي ، أسلم تسلم ‏) ‏‏.‏ فقلت ‏:‏ إني من أهل دين‏ .‏ قال ‏:‏ ‏( ‏أنا أعلم بدينك منك ‏) ‏‏.‏ فقلت‏ :‏ أنت أعلم بديني مني ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏نعم ، ألست من الركوسية ، وأنت تأكل مرباع قومك ‏؟ ‏‏)‏ فقلت‏ :‏ بلى ، قال ‏:‏ ‏( ‏فإن هذا لا يحل لك في دينك‏ ) ‏‏.‏ قال ‏:‏ فلم يعد أن قالها فتواضعت لها‏ .‏


وروى البخاري عن عدي قال ‏:‏ بينا أنا عند النبي(صلى الله عليه وسلم) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل ، فقال‏ :‏ ‏(
‏يا عدي ، هل رأيت الحيرة‏ ؟‏ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من
الحيرة حتى تطوف بالكعبة ، لا تخاف أحداً إلا اللّه ، ولئن طالت بك حياة
لتفتحن كنوز كسرى ، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو
فضة ، ويطلب من يقبله فلا يجد أحداً يقبله منه ‏.‏‏.‏‏. ‏‏)‏

الحديث وفي آخره ‏:‏ قال عدي ‏:‏ فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف
بالكعبة لا تخاف إلا اللّه ‏.‏ وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، ولئن
طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم
(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏يخرج ملء كفه ‏) ‏‏.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
avatar

ذكر عدد المساهمات : 900
نقاط : 2065
تاريخ التسجيل : 18/01/2010
الموقع : http://almohammdih.akbarmontada.com

مُساهمةموضوع: رد: غزوات رسول الله   الجمعة فبراير 05, 2010 3:38 am

غزوة تبوك ( في رجب سنة 9 هـ (


إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل ، لم يبق بعدها مجال للريبة والظن في رسالة محمد(صلى الله عليه وسلم) عند العرب ، ولذلك انقلب المجرى تماماً ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً ـ كما سيظهر ذلك مما نقدمه في فصل الوفود ، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع ـ وانتهت المتاعب الداخلية ، واستراح المسلمون لتعليم شرائع الله ، وبث دعوة الإسلام ‏.‏



سبب الغزوة


إلا أنه كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر ، وهي قوة الرومان ـ أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان ـ وقد عرفنا فيما تقدم أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ـ الحارث بن عمير الأزدي ـ على يدي شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني ، حينما كان السفير يحمل رسالة النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى عظيم بُصْرَي، وأن النبي(صلى الله عليه وسلم) أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداماً عنيفاً في مؤتة ، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين ، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب ، قريبهم وبعيدهم ‏.‏

ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين ، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر ، ومواطأتهم للمسلمين ، إن هذا كان خطراً يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة ، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب ، فكان يرى أن القضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها ، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان ‏.‏

ونظراً إلى هذه المصالح ، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش مـن الرومـان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم ، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة‏ .‏



الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان


وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان ، للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين ، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين ، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان ، ‏ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب ، فقد كان النبي(صلى الله عليه وسلم) آلى من نسائه شهراً في هذه السنة ( 9هـ ) وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشربة له ، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته ، فظنوا أن النبي(صلى الله عليه وسلم) طلقهن ، فسرى فيهم الهم والحزن والقلق‏ ،‏ يقول عمر بن الخطاب ـ وهو يروي هذه القصة ‏:‏ وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر ، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر ـ وكانا يسكنان في عوالي المدينة ، يتناوبان إلى النبي(صلى الله عليه وسلم) ـ ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا ، فقد امتلأت صدورنا منه ، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب ، فقال ‏:‏ افتح ، افتح ، فقلت ‏:‏ جاء الغساني ‏؟‏ فقال ‏:‏ بل أشد من ذلك ، اعتزل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أزواجه ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث ‏.‏

وفي لفظ آخر ( أنه قال )‏ :‏ وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا ، فنزل صاحبي يوم نَوْبَتِهِ ، فرجع عشاء ، فضرب بابي ضرباً شديداً وقال ‏:‏ أنائم هو ‏؟‏ ففزعت ، فخرجت إليه ، وقال‏ :‏ حدث أمر عظيم ‏.‏ فقلت‏ :‏ ما هو ‏؟‏ أجاءت غسان ‏؟‏ قال‏ :‏ لا بل أعظم منه وأطول ، طلق رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) نساءه ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏ .‏

وهذا يدل على خطورة الموقف ، الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان ، ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان ، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في كل الميادين ، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض ، بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق ـ برغم هذا كله ـ طفق هؤلاء المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم ، وما كانوا يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله ‏.‏ ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم أنشأوا وكرة للدس والتآمر ، في صورة مسجد ، وهو مسجد الضِّرَار ، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله ، وعرضوا على رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أن يصلي فيه ، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطنوا ما يؤتى به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم ، ولا يلتفتوا إلى من يرده ويصدر عنه ، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج ، ولكن رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أخر الصلاة فيه ـ إلى قفوله من الغزوة ـ لشغله بالجهاز ، ففشلوا في مرامهم وفضحهم اللّه ، حتى قام الرسول(صلى الله عليه وسلم) بهدم المسجد بعد القفول من الغزو ، بدل أن يصلي فيه ‏.



الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان


كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون ، إذ بلغهم من الأنباط الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشاً عرمرماً قوامه أربعون ألف مقاتل ، وأعطى قيادته لعظيم من عظماء الروم ، وأنه أجلب معهم قبائل لَخْمٍ وجُذَامٍ وغيرهما من متنصرة العرب ، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء ، وبذلك تمثل أمام المسلمين خطر كبير ‏.‏



زيادة خطورة الموقف


والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد ، وكان الناس في عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر ، وكانت الثمار قد طابت ، فكانوا يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه ، ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة ، والطريق وعرة صعبة ‏.‏

الرسول(صلى الله عليه وسلم) يقرر القيام بإقدام حاسم


ولكن الرسول(صلى الله عليه وسلم) كان ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدق وأحكم من هذا كله ، إنه كان يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان في هذه الظروف الحاسمة ، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرة الإسلام ونفوذه ، وتزحف إلى المدينة كان له أسوأ أثر على الدعوة الإسلامية وعلى سمعة المسلمين العسكرية ، فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعد ما لقيت من الضربة القاصمة في حنين ستحيا مرة أخرى ، والمنافقون الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين ، ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجون بطون المسلمين بخناجرهم من الخلف ، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضد المسلمين من الأمام ، وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها هو أصحابه في نشر الإسلام ، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية ودوريات عسكرية متتابعة متواصلة ‏،‏ تذهب هذه المكاسب بغير جدوى ‏.‏

كان رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يعرف كل ذلك جيداً ، ولذلك قرر القيام ـ مع ما كان فيه من العسرة والشدة ـ بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم ، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام‏ .

الإعلان بالتهيؤ لقتال الروم


ولما قرر الرسول(صلى الله عليه وسلم) الموقف أعلن في الصحابة أن يتجهزوا للقتال ، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم ،‏ وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّي بغيرها ، ولكنه نظراً إلى خطورة الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان ، وجلى للناس أمرهم ، ليتأهبوا أهبة كاملة ، وحضهم على الجهاد ، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلاد ، وتحثهم على القتال ، ورغبهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في بذل الصدقات ، وإنفاق كرائم الأموال في سبيل اللّه‏ .

المسلمون يتسابقون إلى التجهز للعدو


ولم يكن من المسلمين أن سمعوا صوت رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يدعو إلى قتال الروم إلا وتسابقوا إلى امتثاله ، فقاموا يتجهزون للقتال بسرعة بالغة ، وأخذت القبائل والبطون تهبط إلى المدينة من كل صوب وناحية ، ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة ـ إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفر ـ حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، ليخرجوا إلى قتال الروم ، فإذا قال لهم ‏:‏ ‏" لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏: ‏92 ‏] ‏‏.‏

كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات ، كان عثمان بن عفان قد جهز عيراً للشام ، مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ، ومائتا أوقية ، فتصدق بها ، ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجره(صلى الله عليه وسلم) ، فكان رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يقلبها ويقول‏ :‏ ‏(‏ ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم ‏)‏ ، ثم تصدق وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود‏ .‏

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة ، وجاء أبو بكر بماله كلّه ولم يترك لأهله إلا اللّه ورسوله ـ وكانت أربعة آلاف درهم ـ وهو أول من جاء بصدقته ‏.‏ وجاء عمر بنصف ماله ، وجاء العباس بمال كثير ، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ، كلهم جاءوا بمال‏ .‏ وجاء عاصم بن عدي بتسعين وَسْقًا من التمر ، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها ، حتى كان منهم من أنفق مُدّا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها ‏.‏ وبعثت النساء ما قدرن عليه من مَسَك ومعاضد وخلاخل وقُرْط وخواتم ‏.‏

ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون ‏" ‏الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ‏ "‏‏[ ‏التوبة ‏:‏ 79 ‏] ‏‏.‏



الجيش الإسلامي إلى تبوك


وهكذا تجهز الجيش ، فاستعمل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل‏ :‏ سِبَاع بن عُرْفُطَةَ ، وخلف على أهله علي بن أبي طالب ، وأمره بالإقامة فيهم ، وغَمَصَ عليه المنافقون ، فخرج فلحق برسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فرده إلى المدينة وقال ‏:‏ ‏" ‏ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي‏ "‏‏.‏

وتحرك رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك ، ولكن الجيش كان كبيراً ـ ثلاثون ألف مقاتل ، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط ـ فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزاً كاملاً ، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب ، فكان ثمانية عشر رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً ، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم ، واضطروا إلى ذبح البعير ـ مع قلتها ـ ليشربوا ما في كرشه من الماء ، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العُسْرَةِ‏ .‏

ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحِجْر ـ ديار ثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، أي وادي القُرَى ـ فاستقى الناس من بئرها ، فلما راحوا قال رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئاً ‏" ‏، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح رسول الله .‏

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال‏:‏ لما مر النبي(صلى الله عليه وسلم) بالحجر قال‏ :‏ ‏"‏ لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين‏ "، ثم قَنعَ رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي ‏.‏

واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول اللّه ، فدعا اللّه ، فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس ، واحتملوا حاجاتهم من الماء ‏.‏

ولما قرب من تبوك قال ‏:‏ ‏" ‏إنكم ستأتون غداً إن شاء اللّه تعالى عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يَضْحَى النهار ، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي "‏، قال معاذ ‏:‏ فجئنا وقد سبق إليها رجلان ، والعين تَبِضُّ بشيء من مائها ، فسألهما رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) :‏ ‏( ‏هل مسستما من مائها شيئاً‏ ؟ ‏‏)‏ قالا‏ :‏ نعم ‏.‏ وقال لهما ما شاء اللّه أن يقول ‏.‏ ثم غرف من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع الْوَشَلُ ، ثم غسل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فيه وجهه ويده ، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏يوشك يا معاذ ، إن طالت بك حياة أن ترى هاهنا قد ملئ جناناً‏ "‏‏.‏

وفي الطريق أو لما بلغ تبوك ـ على اختلاف الروايات ـ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ‏:‏ ‏" ‏تهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عِقَالَه "‏، فهبت ريح شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء ‏.‏

وكان دأب رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء جمع التقديم وجمع التأخير كليهما ‏.



الجيش الإسلامي بتبوك


نزل الجيش الإسلامي بتبوك ، فعسكر هناك ، وهو مستعد للقاء العدو ، وقام رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) فيهم خطيباً ، فخطب خطبة بليغة ، أتى بجوامع الكلم، وحض على خير الدنيا والآخرة ، وحذر وأنذر ، وبشر وأبشر ، حتى رفع معنوياتهم ، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزاد والمادة والمؤنة ‏.‏ وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) أخذهم الرعب ، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء ، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم ، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية ، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية ، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة ، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين ‏.‏

جاء يُحَنَّةُ بن رُؤْبَةَ صاحب أيْلَةَ ، فصالح الرسول(صلى الله عليه وسلم) وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جَرْبَاء وأهل أذْرُح ، فأعطوه الجزية ، وكتب لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) كتاباً فهو عندهم ، وصالحه أهل مِينَاء على ربع ثمارها ، وكتب لصاحب أيلة ‏:‏ "‏بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من اللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ، ومن كان معه من أهل الشام وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثاً ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر ‏" ‏‏.‏

وبعث رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَة الجَنْدَل في أربعمائة وعشرين فارسا ً، وقال له‏ :‏ ‏(‏ إنك ستجده يصيد البقر ‏)‏ ، فأتاه خالد ، فلما كان من حصنه بمنظر العين ، خرجت بقرة ، تحك بقرونها باب القصر ، فخرج أكيدر لصيدها ـ وكانت ليلة مقمرة ـ فتلقاه خالد في خيله ، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، فحقن دمه ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة رأس وأربعمائة درع ، وأربعمائة رمح ، وأقر بإعطاء الجزية ، فقاضاه مع يُحَنَّة على قضية دُومَة وتبوك وأيْلَةَ وَتَيْماء ‏.‏

وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه ، فانقلبت لصالح المسلمين ، وهكذا توسعت حدود الدولة الإسلامية ، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة ، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حد كبير ‏.‏





غزوة تبوك ( في رجب سنة 9 هـ ) - الرجوع إلى المدينة


ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين ، لم ينالوا كيداً ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رجلاً من المنافقين الفتك بالنبي(صلى الله عليه وسلم) ، وذلك أنه حينما كان يمر بتلك العقبة كان معه عمار يقود بزمام ناقته ، وحذيفة ابن اليمان يسوقها ، وأخذ الناس ببطن الوادي ، فانتهز أولئك المنافقون هذه الفرصة ‏.‏ فبينما رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) وصاحباه يسيران إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم ، قد غشوه وهم ملتثمون ، فبعث حذيفة فضرب وجوه رواحلهم بمِحْجَن كان معه ، فأرعبهم اللّه ، فأسرعوا في الفرار حتى لحقوا بالقوم ، وأخبر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بأسمائهم ، وبما هموا به ، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سـر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى ‏:‏ "‏وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا‏ "‏ ‏[ ‏التوبة ‏:‏ 74‏ ] ‏‏.‏

ولما لاحت للنبي(صلى الله عليه وسلم) معالم المدينة من بعيد قال ‏:‏ "‏هذه طلة، وهذا أحُدٌ ، جبل يحبنا ونحبه "‏، وتسامع الناس بمقدمه ، فخرج النساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة ويقلن ‏:

طلع البـدر علينا
وجب الشكر علينا





من ثنيات الوداع
مـا دعا لله داع


وكانت عودته(صلى الله عليه وسلم) من تبوك ودخوله في المدينة في رجب سنة 9هـ ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً ، أقام منها عشرين يوماً في تبوك ، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهوبًا‏ .‏ وكانت هذه الغزوة آخر غزواته(صلى الله عليه وسلم) .‏



المخلفون


وكانت هذه الغزوة ـ لظروفها الخاصة بها ـ اختباراً شديداً من اللّه ، امتاز به المؤمنون من غيرهم ، كما هي سنته تعالى في مثل هذه المواطن ، حيث يقول ‏:‏ ‏" ‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ "‏‏[‏ آل عمران ‏:‏179‏ ]‏ فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمناً صادقاً ، حتى صار التخلف أمارة على نفاق الرجل ، فكان الرجل إذا تخلف وذكروه لرسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) قال لهم‏ :‏ ‏( ‏دعوه ، فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللّه بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه ‏) ‏، فلم يتخلف إلا من حبسهم العذر ، أو الذين كذبوا اللّه ورسوله من المنافقين ، الذين قعدوا بعد أن استأذنوا للقعود كذباً ، أو قعدوا ولم يستأذنوا رأسا‏ً .‏ نعم كان هناك ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر ، وهم الذين أبلاهم اللّه ، ثم تاب عليهم‏ .‏

ولما دخل رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) المدينة بدأ بالمسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فأما المنافقون ـ وهم بضعة وثمانون رجلاً ـ فجاءوا يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار ، وطفقوا يحلفون له ، فقبل منهم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ‏.‏

وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين ـ وهم كعب بن مالك ، ومُرَارَة بن الربيع ، وهلال بن أمية ـ فاختاروا الصدق ، فأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة ، وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة ، وتغير لهم الناس ، حتى تنكرت لهم الأرض ، وضاقت عليهم بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وبلغت بهم الشدة إلى أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة من بداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم ، حتى تمت على مقاطعتهم خمسون ليلة ، ثم أنزل اللّه توبتهم ‏:‏ ‏" ‏وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ "‏ ‏[‏التوبة‏:‏118‏]‏‏.‏

وفرح المسلمون ، وفرح الثلاثة فرحاً لا يقاس مداه وغايته ، فبشروا وأبشروا واستبشروا وأجازوا وتصدقوا ، وكان أسعد يوم من أيام حياتهم ‏.‏

وأما الذين حبسهم العذر فقد قال تعالى فيهم ‏:‏ ‏" ‏لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ‏ "‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 91‏]‏‏‏ وقال فيهم رسول اللّه حين دنا من المدينة ‏:‏ ‏( ‏إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مَسِيراً ، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم ، حبسهم العُذْرُ‏ ) ‏، قـالوا ‏:‏ يا رسول اللّه ، وهــم بالمدينة ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏( ‏وهم بالمدينة ‏) ‏‏.‏



أثر الغزوة



وكان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب ، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة الإسلام ، وبطلت بقايا أمل وأمنية كانت تتحرك في قلوب بقايا الجاهليين والمنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين ، وكانوا قد عقدوا آمالهم بالرومان ، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة ، واستسلموا للأمر الواقع ، الذي لم يجدوا عنه محيداً ولا مناصاً ‏.‏

ولذلك لم يبق للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين ، وقد أمر اللّه بالتشديد عليهم ، حتى نهى عن قبول صدقاتهم ، وعن الصلاة عليهم ، والاستغفار لهم والقيام على قبرهم ، وأمر بهدم وكرة دسهم وتآمرهم التي بنوها باسم المسجد ، وأنزل فيهم آيات افتضحوا بها افتضاحاً تاماً ، لم يبق في معرفتهم بعدها أي خفاء ، كأن الآيات قد نصت على أسمائهم لمن يسكن بالمدينة‏ .‏

ويعرف مدى أثر هذه الغزوة من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) بعد غزوة فتح مكة ، بل وما قبلها ، إلا أن تتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة‏ .‏

نزول القرآن حول موضوع الغزوة


نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة ، نزل بعضها قبل الخروج ، وبعضها بعد الخروج ـ وهو في السفر ـ وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة ، وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة ، وفضح المنافقين ، وفضل المجاهدين والمخلصين ، وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين ، الخارجين منهم في الغزوة والمتخلفين ، إلى غير ذلك من الأمور ‏.‏



بعض الوقائع المهمة في هذه السنة


وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية في التاريخ ‏:‏

1 ـ بعد قدوم رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من تبوك وقع اللعان بين عُوَيْمِر العَجْلاني وامرأته‏ .‏

2 ـ رجمت المرأة الغامدية ، التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة ، رجمت بعدما فطمت ابنها ‏.‏

3 ـ توفي النجاشي أصْحَمَة ، ملك الحبشة ، في رجب ، وصلي عليه رسول الله صلاة الغائب في المدينة ‏.‏

4 ـ توفيت أم كلثوم بنت النبي(صلى الله عليه وسلم) في شعبان ، فحزن عليها حزناً شديداً ، وقال لعثمان ‏:‏ ‏( ‏لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها‏ ) ‏‏.‏

5 ـ مات رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي بن سَلُول بعد مرجع رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) من تبوك ، فاستغفر له رسول اللّه(صلى الله عليه وسلم) ، وصلى عليه بعد أن حاول عمر منعه عن الصلاة عليه ، وقد نزل القرآن بعد ذلك بموافقة عمر ‏.‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاذ هداية
نورت المنتدى
نورت المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 1
نقاط : 1
تاريخ التسجيل : 14/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: غزوات رسول الله   الأحد فبراير 14, 2010 4:02 am

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
غزوات رسول الله
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات المحمدية  :: المنتـديــات الإســـــــــلامية :: قسم الرسول (ص) والرد على المعتدين-
انتقل الى: